من الخيمة إلى البسطة : عندما يتحوّل النزوح إلى “اقتصاد نجاة” خارج القانون

خاص بوابة بيروت

لم تعد الحرب في لبنان تُقاس فقط بعدد الصواريخ والضحايا، بل أيضًا بما تتركه في الشارع، وفي السوق، وفي كرامة الناس. ما نشهده اليوم في بعض مناطق بيروت والمناطق المضيفة لم يعد مجرد نزوحٍ قسريٍّ يبحث عن مأوى مؤقت، بل تحوّل تدريجيًا إلى مشهدٍ أكثر تعقيدًا وخطورة، خيم، بسطات، طاولات بيع، وأسواق نجاةٍ عشوائية تتمدّد على الأرصفة والمساحات العامة، فيما مؤسساتٌ ومحالٌ شرعية تكافح للبقاء أو تُدفَع نحو الإقفال.

السؤال لم يعد فقط: كيف نُسكن الناس؟ بل أصبح، كيف نمنع أن يتحوّل النزوح إلى فوضى اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ تضرب الفقير وصاحب المؤسسة معًا، فيما الدولة تراقب وتغضّ النظر؟

الحرب هذه المرة مختلفة… لأنها تضرب الداخل أيضًا. هذه الجولة مع “إسرائيل” ليست نسخةً عن عام 2006 ولا عن أي محطةٍ سابقة. الخطر اليوم لا يقتصر على الجنوب أو الحدود، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والاقتصاد والحياة المدنية بالقوة.

هناك تهجيرٌ واسع، دمارٌ كبير، وضغطٌ هائل على العاصمة والمناطق المضيفة. الأخطر أنّ الحرب تأتي في لحظة انهيارٍ اقتصاديٍّ ومؤسساتيٍّ مسبق: دولةٌ ضعيفة، بلدياتٌ عاجزة، خدماتٌ منهكة، ومجتمعٌ لم يعد يحتمل صدمةً جديدة بهذا الحجم.

لهذا، لم يعد النزوح ملفًا إنسانيًا فقط، بل أصبح اختبارًا مباشرًا لمعنى الدولة.

من الخيمة إلى البسطة… حين يصبح الشارع سوقًا للبقاء

في عددٍ من المناطق، لم تعد الصورة تقتصر على عائلاتٍ نازحةٍ في المدارس أو الملاجئ. كثيرون رفضوا البقاء في مراكز الإيواء الجماعية، أو لم يجدوا فيها شروطًا إنسانيةً مقبولة، بسبب الاكتظاظ وغياب الخصوصية ونقص الخدمات.

الإنسان الذي خسر بيته أو متجره أو مصدر رزقه، يحاول النجاة بما أمكن. هكذا ظهرت طاولاتٌ وبسطاتٌ ومحال مؤقتة، نُقلت إليها بضائع وأدوات بيع من المناطق المنكوبة، في مشهدٍ بات يشبه في بعض الأماكن “سوق الأحد” أكثر مما يشبه حالة طوارئ وطنية.

من الضروري أن نكون منصفين: الفقير الذي هُجّر لا يُلام لأنه يحاول إطعام أولاده، لكن لا يجوز أيضًا ترك المشهد بلا تنظيم وكأن الفوضى هي الحل.

بين الفقير وصاحب المؤسسة… من يحمي الطرفين؟

في المقابل، هناك وجهٌ آخر للمأساة. صاحب محل يدفع إيجارًا، تاجر خسر زبائنه، مؤسسة تكافح للبقاء، موظفون على الحد الأدنى، وأصحاب أعمال وجدوا أنفسهم أمام منافسةٍ غير عادلة في الشارع، بلا تراخيص ولا رسوم ولا رقابة.

السؤال الحقيقي: ماذا يفعل المهجّر؟ وماذا يفعل التاجر الذي خسر تجارته؟

المشكلة ليست في الناس، بل في غياب الدولة التي تركت المتضررين يتواجهون وحدهم: فقيرٌ يحاول النجاة، وتاجرٌ يحاول ألا ينهار، ومدينةٌ تُستنزف بينهما.

الدولة الغائبة، لا رحمة في الفوضى… ولا عدالة في التغاضي

أخطر ما في المشهد ليس وجود البسطات، بل أن الدولة ترى وتعرف وتغضّ النظر. إدارة الأزمة تحوّلت إلى ترك الناس يتدبّرون أمرهم بأنفسهم، ولو على حساب النظام العام والاقتصاد.

هذا ليس تضامنًا، بل انسحابٌ من المسؤولية.

وظيفة الدولة في الحرب أن تمنع تحوّل النزوح إلى صراعٍ على الرزق، وأن تحمي الفقير وصاحب المؤسسة معًا، لا أن تتركهما في مواجهةٍ مفتوحة.

هل هي فوضى عفوية… أم استثمارٌ في الفوضى؟

لا يمكن تجاهل أنّ ما يحدث في بعض المناطق، وخصوصًا في وسط بيروت، يتجاوز البعد الإنساني. انتشار الخيم والبسطات في مناطق منظمة، مقابل تراجع المؤسسات، يطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام فوضى فرضتها الحرب، أم أمام استثمارٍ في هذه الفوضى؟

هذا المشهد يكتسب حساسيةً إضافية في مناطق ذات رمزية اقتصادية وسياسية، ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الفوضى قد تخدم أكثر من طرف: طرفٌ يبرّرها باسم الحاجة، وآخر يستفيد منها لإضعاف مناطق محددة.

هنا تكمن المأساة: أن يتحوّل الفقير، من دون أن يريد، إلى أداةٍ في مشهدٍ أكبر منه.

ما المطلوب الآن؟ ليس القمع… بل عدالة طوارئ

الحل ليس بإزالة البسطات بالقوة، ولا بترك الفوضى تتمدّد. المطلوب إدارة طوارئ عادلة تقوم على:

  • تخصيص أسواقٍ مؤقتةٍ ومنظمة للنازحين
  • دعم أصحاب المؤسسات بإعفاءاتٍ وتعويضات
  • تقديم مساعداتٍ مباشرة تمنع البيع القسري
  • تنظيمٍ مدنيٍّ يحمي الجميع
  • تشكيل لجان أزمة تضم البلديات والمجتمع المدني وممثلين عن النازحين

    الدولة لا تختار بين الفقير والتاجر، بل تحمي الاثنين.

لبنان لا يحتاج فقط إلى وقف النار… بل إلى وقف الانهيار

الحرب اليوم تُقاس بعدد المؤسسات التي أُقفلت، وبعدد الأرصفة التي تحوّلت إلى أسواق نجاة، وبعدد الناس الذين تُركوا يتصارعون على لقمة العيش.

الفقير لا يُعاقَب لأنه يحاول العيش، والتاجر لا يُترك ينهار بصمت.

ما يحدث لم يعد نزوحًا فقط، بل إنذارٌ بأن الفوضى الاقتصادية قد تتحوّل إلى صراعٍ داخلي إذا استمر الغياب الرسمي.

من يبيع على الرصيف ليس دائمًا مخالفًا، بل قد يكون مهجّرًا.

ومن يغلق متجره ليس دائمًا فاشلًا، بل قد يكون ضحية.

بين الاثنين، تبقى الدولة الغائب الأكبر.

لبنان لا يحتاج فقط إلى وقف النار، بل إلى وقف الانهيار في الشارع، وفي السوق، وفي كرامة الناس.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com