بين الذكاء الاصطناعي و الدعاء بالنصر، من يحسم حروب العصر؟
بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت
لم تعد الحروب كما عرفها العالم لعقود طويلة. ما يحدث اليوم هو تحول عميق في طبيعة الصراع نفسه. فالمعارك الحديثة لم تعد تُحسم فقط بعدد الجنود أو قوة السلاح، بل أصبحت تُدار بمنظومات رقمية معقدة تعتمد على البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وبينما يتسارع هذا التحول في العالم المتقدم، ما زال جزء كبير من عالمنا يتعامل مع الواقع بعقلية تنتمي إلى زمن مختلف تمامًا، الأمر الذي يجعل الفجوة بيننا وبينهم تتسع بصورة مقلقة.
في الحروب المعاصرة لم يعد المشهد مجرد مواجهة تقليدية بين دبابة وأخرى أو بين طائرة وأخرى. القوة الحقيقية أصبحت في القدرة على جمع البيانات وتحليلها بسرعة هائلة، واستخلاص القرار العسكري في لحظات. الدول المتقدمة طورت منظومات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل كمٍّ ضخم من المعلومات، صور الأقمار الصناعية، الاتصالات، التحركات الميدانية، وأنماط السلوك. هذه الأنظمة قادرة خلال دقائق على اقتراح الأهداف، وتحديد نوع الذخيرة المناسبة، واختيار التوقيت الأكثر فاعلية لتنفيذ الضربة.
بعبارة أخرى، أصبحت الحرب في كثير من جوانبها تُدار عبر عقول رقمية لا تتعب ولا تتردد، وتعمل بسرعة تفوق قدرة الإنسان على التحليل والاستجابة.
في المقابل، ما يزال الخطاب في جزء واسع من عالمنا يدور في إطار الشعارات والانفعالات والخطب، وكأننا نحاول مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين بأدوات ذهنية تعود إلى قرون مضت. المشكلة هنا لا تتعلق بالإيمان أو بالقيم الروحية فهذه عناصر أساسية في حياة المجتمعات. لكن الخلل يبدأ عندما يتحول الدعاء إلى بديل عن العمل، أو يصبح تعويضًا نفسيًا عن العجز بدل أن يكون دافعًا لتجاوزه.
التاريخ يقدم دروسًا واضحة في هذا المجال. فحين اجتاح المغول بغداد في القرن الثالث عشر، لم يكن سقوطها نتيجة القوة العسكرية وحدها، بل جاء أيضًا بعد تراجع طويل في الحياة العلمية والفكرية التي كانت يومًا ما مصدر قوة الحضارة الإسلامية. وفي المقابل، حين بدأت أوروبا بالصعود لاحقًا، كان ذلك نتيجة استثمار منهجي في العلم والمعرفة والبحث والابتكار.
اليوم يتكرر المشهد بشكل مختلف. الدول التي تقود العالم ليست بالضرورة الأكثر عددًا، بل الأكثر قدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا. الجامعات المتقدمة، مراكز الأبحاث، شركات التقنية الكبرى، ومختبرات الذكاء الاصطناعي أصبحت تمثل البنية التحتية الحقيقية للقوة في العصر الحديث.
يكفي النظر إلى حجم الاستثمارات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي مئات المليارات من الدولارات تُضخ في البحث والتطوير، آلاف العلماء يعملون في تطوير الخوارزميات، وملايين الساعات تُصرف في المختبرات ومراكز البيانات. في المقابل، ما تزال أجزاء واسعة من عالمنا تعاني من ضعف في منظومات البحث العلمي، وهجرة مستمرة للكفاءات، وأنظمة تعليم تقليدية تركز على الحفظ أكثر مما تشجع على التفكير.
ولهذا فالقضية ليست مجرد تأخر تقني، بل هي في جوهرها فجوة حضارية. الابتكار لا يولد في بيئات تُقيَّد فيها الأسئلة، أو يُخشى فيها الاختلاف، أو يُستبدل فيها التفكير بالتلقين. العقل الذي يُربّى على الطاعة العمياء والخوف من الخطأ لن يكون قادرًا على بناء خوارزمية، أو ابتكار تقنية، أو المساهمة في تغيير موازين القوة. الإبداع يحتاج إلى بيئة تسمح بالنقد، وتشجع التجربة، وتقبل الخطأ بوصفه جزءًا من طريق المعرفة. ومن هنا فإن المعركة الحقيقية لا تدور فقط في ساحات القتال، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، في المدرسة، وفي الجامعة، وفي المختبر، وفي طريقة تفكير المجتمع نفسه.
ردم هذه الفجوة لا يتحقق بالغضب أو بالشعارات، بل عبر مسار طويل يقوم على إصلاح التعليم ليصبح قائمًا على التفكير والتحليل، وتوجيه استثمارات حقيقية إلى البحث العلمي، وبناء ثقافة تقدّر المعرفة والعمل والإبداع. فالدعاء وحده لا يصنع طائرة بدون طيار، ولا يكتب خوارزمية، ولا يطلق قمرًا صناعيًا. ما يصنع ذلك هو العلم، والعمل المنظم، والعقل الحر.
العالم يتحرك بسرعة هائلة، والفجوة تتسع يومًا بعد يوم. لذلك لم يعد السؤال: لماذا تأخرنا؟ بل أصبح السؤال الأهم، هل نمتلك الشجاعة لنغيّر طريقنا قبل أن تصبح هذه الفجوة غير قابلة للردم؟
نحن في كارثة… والفجوة لم تعد كبيرة بل مرعبة.