بين فجاجة التخوين وزيف “الوسطية” : قراءة في ارتهان السيادة وتهافت الخطاب
خاص بوابة بيروت

كاتب ومحلل سياسي
لم يعد المشهد السياسي اللبناني يحتمل ترف المواربة أو مساحيق التجميل، فالمواجهة اليوم بلغت ذروتها بين منطق الدولة ككيان جامع، ومنطق “الدويلة” كأداة ارتهان.
كلما ارتفع صوتٌ يطالب بحصرية السلاح أو ينادي بتحييد لبنان عن محارق المحاور، انبرت جوقة التخوين لإطلاق غبارها الكثيف، مستعيضةً عن الحجة بالشتم، وعن البرهان بالإرهاب الفكري.
هذه الفجاجة في الخطاب ليست مجرد سقطة أخلاقية، بل هي عَرَض لبنيوية مأزومة تعاني منها القوى المرتبطة بالمشروع الإيراني، فالتخوين هو الملاذ الأخير لكل من فقد القدرة على الإقناع السياسي العقلاني. حين تسقط الحجة، يُستدعى “الفائض”، ليس فائض القوة فحسب، بل فائض الترهيب اللفظي الذي يسعى لتحويل المعارض من شريك في الوطن إلى “هدف” تجب شيطنته أو تصفية وجوده السياسي.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في هذا الخطاب الفج، بل في ذلك “الخداع البصري” الذي يمارسه مدّعو الوسطية المضلِّلة.
هؤلاء الذين يرتدون مسوح الوطنية ليقفوا في منطقة رمادية قاتلة، يساوون فيها بين الضحية والجلاد، وبين من يتمسك بالدستور ومن ينقلب عليه.
إن هذه “الوسطية” ليست موقفاً حكيماً، بل هي انحيازٌ مقنّع يمنح الفوضى غطاءً شرعياً، ويميع الثوابت الوطنية تحت شعارات التوازن الواهم، مما يؤدي فعلياً إلى تشويش البوصلة وإطالة أمد الارتهان.
وفي محاولة بائسة للهروب من المسؤولية، يبرز نهج “التلطي” خلف الدخان والقصف؛ إذ تُستغل الاعتداءات الإسرائيلية المدانة كذريعة لإسكات أي سؤال حول جدوى المسارات التي استجلبت الدمار. إن إدانة العدو واجب لا نقاش فيه، لكنها لا تمنح صك براءة لمن قرر، بمفرده، ربط مصير شعب كامل بحسابات “وحدة الساحات” العابرة للحدود.
لا يمكن لرد الفعل، مهما كان قاسياً، أن يُلغي السؤال الجوهري عن الفعل الأصيل الذي وضع لبنان في فوهة المدفع دون توافق وطني أو غطاء دستوري.
إن الأسئلة التي يهرب منها “محور الارتهان” لا تزال تنبض في وجدان اللبنانيين:
- بأي حق تُصادر إرادة شعب بأكمله لتُسجن في رؤية أيديولوجية غريبة عن نسيجه؟
- لماذا يُصر البعض على رفض الدولة كمرجعية وحيدة للقرارين الأمني والعسكري؟
- هل يجوز أن يبقى لبنان رهينةً لقرارات تُطبخ خارج حدوده وتُنفذ بأجساد أبنائه؟
إن الدولة، في جوهرها، هي احتكار المشروع للقوة وتجسيد للعقد الاجتماعي الذي يتساوى فيه الجميع تحت سقف القانون.
وما دون ذلك ليس إلا “واقعًا موازيًا” يقوّض فكرة الوطن لصالح الساحة.
إن المساواة بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا ليست تسوية سياسية، بل هي خيانة موصوفة للمستقبل.
يقف لبنان اليوم على حد السكين، إما العبور الصارم نحو منطق الدولة وحصرية سيادتها، وإما البقاء في دوامة الخطابات التي تجمّل الهزيمة وتشرعن التبعية. الحقيقة التي لا تقبل التمويه واضحة كالشمس: لا سيادة مع تعدد مراكز القرار، ولا وطن مع بقاء السلاح خارج كنف الدولة.