مفاوضات تحت النار

خاص بوابة بيروت

تتسارع الدعوات إلى إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، في لحظة إقليمية دقيقة، بعد أن سلكت المفاوضات الأميركية – الإيرانية طريقًا بدا، في ظاهره، أقرب إلى النجاح. فالولايات المتحدة استطاعت، إلى حدّ بعيد، فرض إيقاعها وشروطها، فيما لجأ الجانب الإيراني إلى أسلوب المراوغة عبر تسريب ورقة مغايرة لتلك التي دارت حولها جولات التفاوض. وفي السياسة، كما في الحرب، ليست التفاصيل صغيرة، لأن الفوارق الدقيقة بين نصٍّ ونصّ قد تختزن تحوّلاً في موازين القوى أو في اتجاه التسويات.

آخر المعارك قبل التسوية

في الميدان الجنوبي، يبدو أنّ إسرائيل تخوض ما يمكن اعتباره آخر جولات الضغط العسكري، بعد تقدّمها في مناطق تُعدّ من أبرز معاقل «حزب الله»، ولا سيما مدينة بنت جبيل. فإذا ثبتت سيطرة إسرائيل شبه التامة على هذا الحيّز الجغرافي، فإن ذلك يعني عمليًّا اقترابها من تحقيق هدفها المعلن بإنشاء منطقة عازلة تمتدّ من البقاع الغربي إلى ساحل الناقورة مرورًا بالقطاع الأوسط، بما يسهّل إحكام قبضتها على جنوب الليطاني بالكامل. وفي منطق الحروب، كثيرًا ما تُستعمل السيطرة الميدانية ورقةً تفاوضية تمهّد لتثبيت وقائع جديدة على طاولة السياسة.

بيروت الجريحة بين السيادة والرهينة

أمّا بيروت، التي لم تكد تلملم جراحها بعد، فقد وجدت نفسها مجدّدًا في قلب الصدمة، بعدما تحوّلت أحياؤها، بفعل الواقع القائم، إلى مسرحٍ لا يشبه صورتها كمدينة حياة وثقافة. وقد بدا واضحًا أنّ السلطة السياسية، ممثّلة برئيس الحكومة نواف سلام ومجلس الوزراء، وبمواكبة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، تميل إلى ترسيخ مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وصولاً إلى تكريس بيروت مدينةً منزوعة السلاح، في خطوة أثارت اعتراض وزراء «الثنائي الشيعي» الذين اعترضوا على القرار. وهكذا تتجلّى، مرّة جديدة، إشكالية الدولة بين منطق الشرعية ومنطق الأمر الواقع.

لبنان بين مقاومتين

أمام هذه الوقائع، يجد لبنان نفسه أمام مفترقٍ تاريخي بين مفهومين للمقاومة، مقاومةٍ تستمدّ مشروعيتها من الدولة والقانون، وأخرى حوّلت البلاد، عبر عقود، إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا سيما بين واشنطن وطهران. لقد أُدخل لبنان في صراعاتٍ تفوق قدرته، حتى باتت سيادته موضع مقايضة على طاولات التفاوض الكبرى. وعندما بلغت المواجهة ذروتها، بدا أنّ الأولويات الإقليمية تقدّمت على حساب الساحة اللبنانية، فوجد «حزب الله» نفسه في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية شبه منفرد، بعدما تحوّلت حسابات اللاعبين الكبار نحو تسويات أوسع.

خطاب القسم ونهاية الحرب الدائمة

إنّ قبول لبنان المبدئي بالدخول في مفاوضات مباشرة ينسجم، في جوهره، مع ما ورد في خطاب القسم لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي شدّد على ضرورة إنهاء منطق الحرب الدائمة، باعتباره نهجًا لم يجلب للبنان سوى الدمار والعزلة واستنزاف الدولة ومؤسساتها. فالسلام، في المفهوم السيادي، ليس استسلامًا، بل استعادة لقرار الحرب والسلم إلى كنف الشرعية وحدها، بما يحفظ الكرامة الوطنية ويصون المصلحة العليا.

سلاح الشرعية وبوابة النهوض

يبقى أنّ نجاح أي مسار تفاوضي مشروط بامتلاك الدولة اللبنانية أقوى أسلحتها، سلاح الشرعية. فهذا السلاح وحده يتيح للبنان استعادة حقوقه كاملة، وتحرير ما تبقّى من أراضٍ محتلة، وإعادة وصل ما انقطع مع المجتمع الدولي والعربي، تمهيدًا لمرحلة نهوض اقتصادي طال انتظارها. ففي عالمٍ يتّجه نحو إعادة رسم خرائط الاستثمارات والتكنولوجيا والطاقة، لا مكان للدول التي تبقى رهينة حروب الآخرين، فيما تتقدّم الأمم التي تُحسن تحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى جسر عبور نحو الاستقرار والازدهار.

هكذا يقف لبنان اليوم بين نارين، نار الحرب التي خبر مآسيها، ونار الفرصة التي قد تفتح له باب العودة إلى ذاته، دولةً سيدةً حرّة، قادرةً على أن تختار مستقبلها بملء إرادتها. فالتاريخ لا يرحم المتردّدين، والسيادة لا تُستعار، بل تُبنى حجرًا فوق حجر، وكلمةً فوق كلمة من يوم ما كان في البدء الكلمة، وبه كان كلّ شيء.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com