#العدلُ هو المقام : في نقد “قداسة الكراسي” وضرورة #الدولة المواطنية

بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@MirazJundi

إذهبوا إلى الحبشة، فإن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد”، لم تكن دعوة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه مجرد بحث عن ملاذٍ آمن، بل كانت إعلاناً مبكراً عن قيمة كونية، أن العدل هو المعيار الأسمى، وهو الذي يمنح الأرض شرعيتها قبل “هوية” من يحكمها.

اليوم، وبينما يغرق لبنان في أزماته الوجودية، نشهد بروز ظاهرة لغوية وسياسية غريبة على منطق الدولة الحديثة؛ حيث شاع استخدام مصطلحات مثل “مقام” رئاسة الحكومة، أو “مقام” رئاسة مجلس النواب، أو “مقام” رئاسة الجمهورية. هذا التبجيل اللفظي، وإن بدا في ظاهره احتراماً للمواقع، إلا أنه في جوهره يحمل بذور “تأليه” الكراسي وإضفاء قداسة دينية على مناصب دستورية زمنية.

من “المقام” إلى “المواطنة”

إن إقحام المفردات الدينية في صلب الخطاب السياسي اللبناني، وتبنّيه من قبل البعض بمنطلقات طائفيّة، هو أمرٌ يدعو للأسف.

فهذا النهج لا يخدم هيبة المنصب، بل يشوه مفهوم “الدولة” ويحوّل المؤسسات إلى “إقطاعيات مقدسة” تُصان بالتبجيل لا بالقانون.

نحن ضمن رؤيتنا المدنية للدولة، لا نؤمن إلا بمقام واحد فوق الجميع: مقام المواطن. إن كرامة الإنسان في دولة الوطن لا تُستمد من انتمائه لمذهب الحاكم، بل من حماية الدستور لحقوقه.

وحق المواطن باعتناق المذهب والدين وممارسة شعائره بكل حرية، فالدولة تُبنى بالعدل والمساواة، لا بالمحاصصة التي تتلطى خلف عباءات القداسة.

السيادة لا الطائفية: جوهر الخلاف!

من الخطأ الجسيم، بل ومن التسطيح المتعمد، تصوير معارضتنا لـ “الثنائي المرتبط بإيران” على أنها خلاف طائفي. إن صراعنا ليس مع طائفة، بل هو خلاف سياسي سيادي بامتياز.

نحن نرفض مشروعاً يتجاوز حدود الدولة اللبنانية، ويضع وطننا في خدمة أجندات إقليمية غريبة عن نسيجنا.

لقد حوّل النظام الإيراني الدين من منظومة قيم روحية وأخلاقية تسمو بالإنسان، إلى أداةٍ في مشروع توسّعي تحت ذريعة “تصدير الثورة”. وهنا يكمن الفرق: نحن نريد دولة لبنانية لكل مواطنيها، وهم يريدون ساحة لمشاريع عابرة للحدود.

العدل أساس الملك.. كافراً كان أو مؤمناً.

إن التاريخ والواقع يثبتان أن العبرة ليست بالشعارات المرفوعة، بل بالممارسة على الأرض. فكم من دول يرفع حكامها لواء الدين، فيما ترزح شعوبها تحت وطأة الظلم والفقر؟ وكم من دول “غير ذلك” أو لا تقوم على أساس ديني، ينعم مواطنوها بالحرية والكرامة والعدل؟

لقد لخص شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الحقيقة الأزلية بقوله: “إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة لأهلها وإن كانت مسلمة”.

الدين لله والوطن للجميع

إن المعيار الذي نحتكم إليه ثابت لا يتزعزع، العدل وتطبيق القانون. لا تهمنا هوية الحاكم أو مذهبه بقدر ما يهمنا التزامه بالدستور وحقوق الناس.

إن استعادة لبنان تبدأ بتحرير الخطاب السياسي من “الأسر الطائفي” والعودة إلى رحاب الدولة التي تُحترم فيها المواقع لأنها تخدم الشعب، لا لأنها “مقامات” منزّهة عن النقد.

العدل هو أساس الملك، وهو الطريق الوحيد لبناء دولة حقيقية تليق باللبنانيين وتستحق البقاء. ولا ندعو الى دين جديد، بل الى وطن يليق، الى لبنان الرسالة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com