ذكرى ١٣ نيسان بين حرب الأمس ومخاطر اليوم…

تحديات نقد التجربة واستحقاق الخلاص الوطني

بقلم زكي طه

يأتي 13 نيسان هذا العام في ظل ذروة العدوانية الإسرائيلية: حرب مدمّرة، احتلال جنوب الليطاني، انتهاك للسيادة، وجرائم قتل وتهجير وخراب شامل.

ويترافق ذلك مع خوف متصاعد من انفجار داخلي، وسط فوضى سياسية وأهلية عارمة تشمل السلطة والمجتمع، وتتجلّى في هرج الاتهامات المتبادلة، بين وهم الانتصارات المُدّعاة على عدوّ يُوصَف بالمهزوم والعاجز، في موازاة استسهال المفاوضات المباشرة معه من مواقع الانقسام، في ظل خلل فادح في ميزان القوى لمصلحته، ورعاية أميركية ودولية لاهدافه التوسعية وشروطه القاهرة.

استعادة الذاكرة شرط للخلاص

لم تكن حرب 1975 حدثاً أمنياً عابراً، بل تعبيراً عن أزمة بنيوية في تكوين الدولة اللبنانية وطبيعة نظامها السياسي والاجتماعي، ونتيجة لتداخل الانقسامات الطائفية مع الصراعات الإقليمية، وفي مقدمتها الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتحول لبنان إلى ساحة أساسية للنضال الفلسطيني المسلح. وعليه، دخل لبنان في مسار مفتوح من النزاعات والحروب، تجاوزت في نتائجها وأكلافها ما رافقها من أهداف ورهانات عند انطلاقتها.

اليوم، يعود لبنان إلى لحظة أشد تعقيداً وخطورة، مع تلاقي الانهيار المالي والانقسام الطائفي واحتدام صراعات قوى السلطة، في موازاة تصاعد العدوان الإسرائيلي بما ينطوي عليه من أطماع وأهداف توسعية في الأرض والمياه والسيادة. وفي هذا السياق، تكتسب العودة إلى كلمة الامين العام لمنظمة العمل الشيوعي الراحل محسن إبراهيم في تأبين الشهيد جورج حاوي امين عام الحزب الشيوعي اللبناني السابق عام 2005 أهمية خاصة، بوصفها شهادة على مرحلة ونصاً نقدياً استشرافياً يفتح الباب أمام مساءلة الحاضر في ضوء دروس الماضي.

مشروع أُجهضته الحرب

مثّلت الحركة الوطنية لحظة متقدمة في التاريخ السياسي اللبناني، وتبلور في إطارها مشروع نهضوي متكامل سعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين مكونات المجتمع والدولة على أسس جديدة. وقد تجسّد ذلك في برنامج إصلاحي استند إلى رؤية شاملة تلازمت فيها ثلاثة أبعاد أساسية:

ـ الاستقلال الوطني بوصفه سيادة فعلية غير منقوصة.
ـ العروبة المستنيرة كأفق سياسي وثقافي منفتح.
ـ الديمقراطية المرتكزة إلى العلمانية والعدالة الاجتماعية كقاعدة لبناء دولة حديثة.

تميّزت هذه التجربة بقدرتها على إطلاق دينامية ديمقراطية، واحتشدت في إطارها قوى اجتماعية متنوعة عابرة للطوائف والمناطق حول مطالب إصلاحية مشتركة. ورغم أنها لم تتحول إلى مسار مستقر، فقد استسهلت آنذاك إمكانية تجاوز الانقسامات التقليدية الموروثة منذ ما قبل تأسيس الكيان، لكن الاصطدام بها أدى إلى إجهاض المشروع وانفلات التناقضات الداخلية والخارجية.

من فائض القوة إلى وهم الحرب

في واحدة من أكثر لحظات النقد الذاتي وضوحاً في التاريخ السياسي اللبناني المعاصر، حدّد محسن إبراهيم خطأين أساسيين ارتكبتهما الحركة الوطنية وكان لهما أثر حاسم في مسار الأحداث:

الخطأ الأول: كان المبالغة في تحميل لبنان أعباء النضال الفلسطيني المسلح، بما تجاوز حدود الإمكانات الواقعية للدولة والمجتمع، وأدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراعات أخلّت بتوازناتها السياسية والاهلية الهشة.

أما الحطأ الثاني: فكان استسهال توسل العنف وركوب مركب الحرب الأهلية تحت وهم اختصار الطريق نحو التغيير الديمقراطي، ما قاد إلى تدمير البنية الاجتماعية، وتقويض المشروع الإصلاحي نفسه، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية تحوّلت سريعاً إلى وصايات مفروضة.

وكانت النتيجة تداعيات سلبية عميقة طاولت بنية البلد، وأطاحت بالحركة الوطنية، وفي قلبها يسار كان واعداً في مرحلة من المراحل.

تكمن أهمية هذا النقد لا في مضمونه فحسب، بل في كونه شكّل، ولا يزال، نموذجاً نادراً في الثقافة السياسية اللبنانية، حيث يغيب غالباً الاعتراف بالأخطاء لصالح سرديات تبريرية أو انتقائية.

غياب الذاكرة النقدية المشتركة

من أبرز ما أشار إليه محسن إبراهيم غياب ذاكرة نقدية مشتركة بين اللبنانيين، قادرة على بلورة رواية وطنية جامعة قائمة على الاعتراف المتبادل بالأخطاء، وهو ما يشكّل أحد الأسباب العميقة لاستمرار الأزمة. إذ تحصّن كل طرف سياسي أو طائفي بروايته الخاصة للحرب وأحداثها.

ونتيجة لذلك، عجز اللبنانيون عن تحويل محطات مفصلية في تاريخهم الحديث إلى لحظات تأسيسية لوطنية جامعة. فانسحاب الجيش السوري عام 2005، كما تحرير الجنوب عام 2000، لم يتحولا إلى منطلق لبناء مشروع وطني جامع، بل جرى استيعابهما ضمن منطق الانقسام الطائفي، ما أعاد إنتاج الأزمة بصورة أشد خطورة.

الحراك الطائفي كنظام مكتمل

لم ير محسن إبراهيم الحراك الطائفي مجرّد ظاهرة عابرة. لقد قرأه كبنية نظام مكتمل يتحكم بأوضاع البلد وحياة اللبنانيين. فقد تحوّلت الطائفية إلى إطار ناظم لصراعات تقاسم السلطة وبناء مواقع النفوذ، وآلية لنهب موارد الدولة، وأداة لإعادة إنتاج النخب الحاكمة، ومدخلاً للارتهان للخارج.

وفي هذا السياق، تتكرر الأخطاء بصيغ أكثر خطورة، من خلال تحميل البلد أكلاف صراعات خارجية، والانخراط في محاور إقليمية، وصولاً إلى التورط في مواجهات تتجاوز المصلحة الوطنية. كما في الدفاع عن أنظمة الاستبداد والتنظيمات الطائفية، وحرب مساندة غزة، وصولاً إلى المشاركة في الحرب دفاعاً عن النظام الايراني.

والأخطر أن آليات النظام الطائفي تشرع تكرار الاخطاء، على النحو الذي يفاقم الأزمات ويعمق الانقسامات الأهلية ويعوّق نشوء بدائل ديمقراطية، والنتيجة محاولة إقفال أبواب الاصلاح من الداخل، عبر استحضار مشاريع الفدرلة وتفكيك الكيان.

مأزق أشد خطورة

تكشف المقارنة بين 1975 واليوم استمرارية الأزمة، ولكن في ظروف أكثر خطورة. فعندما اندلعت الحرب كانت الدولة قائمة نسبياً، أما اليوم فالأزمة تترافق مع انهيارها.

ويتجلّى المأزق راهناً في تداخل الانهيار الاقتصادي مع تفكك المؤسسات وازدواجية السلاح، بالتوازي مع تصاعد العدوان الإسرائيلي، وتفاقم خطر الانقسام الداخلي وتعميق الارتهان للخارج، بحيث لم يعد لبنان يعيش أزمة نظام فحسب، بل أمام أزمة تهدد مستقبل الكيان والمجتمع معاً.

نحو برنامج ديمقراطي للإنقاذ

رأى محسن إبراهيم أن العلمانية تمثّل المخرج، وأن صعوبة تحقيقها لا تبرّر القبول باستمرار نظام منتج للأزمات. لكنه شدّد على أن بلوغها لا يتم بقرار فوقي أو فرض قسري، بل عبر مسار ديمقراطي طويل، وبناء كتلة اجتماعية عابرة للطوائف قادرة على فرض التحول تدريجياً.

غير أن الواقع الراهن بكل ما يحتشد فيه من مخاطر، يفرض تحدي بلورة برنامج عمل يربط بين الوطني والسياسي والاجتماعي. وفي المقدمة تبرز ضرورة استعادة دور الدولة، بوصفها شرطاً لبقاء البلد، ومدخلاً لأي إصلاح، عبر إعادة الاعتبار لمؤسساتها، وحصرية قرار الحرب والسلم، واحتكارها للسلاح بما يضمن سيادتها.

وهنا تبرز أهمية مسار تفكيك النظام الطائفي عبر إصلاحات تدريجية، تشمل قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، وتعزيز الدولة المدنية، وضمان استقلال القضاء.

أما المهمة المركزية، فهي بناء كتلة اجتماعية ديمقراطية، من خلال ربط النضال السياسي بالقضايا الاجتماعية، وإعادة الاعتبار لدور النقابات والحركات المدنية، وتطوير خطاب ديمقراطي توحيدي عابر للطوائف.

ولا يكتمل البرنامج دون العمل على تحرير القرار الوطني من الارتهان للخارج، عبر استراتيجية وطنية جامعة توازن بين حماية السيادة ومواجهة تهديدات واطماع العدو.

بين فتره الماضي وصناعة المستقبل

إن استعادة نص محسن إبراهيم في ذكرى اندلاع الحرب الأهلية ليست مجرد تمرين في الذاكرة، بل فعلٌ سياسي بامتياز، ووقفة مساءلة ضرورية في وجه تاريخ لم يُحسم، ونظام لم يُراجع، وأخطاء لا تزال تتكرر بأشكال أكثر خطورة.

هي تحية لشهداء لبنان كل لبنان، قادة ومناضلين وضحايا حروبه دون استثناء، وفي المقدمة الذين سقطوا في مواجهة العدو الإسرائيلي، لكنها أيضاً التزامٌ بأن لا تتحول تضحياتهم جميعاً إلى وقودٍ دائم لحروب تتجدد بين أبنائه وعلى أرضه للهيمنة عليه أو لإخضاعه وإلحاقه، ولا إلى ذريعة لإدامة نظامٍ أثبت عجزه وخطورته.

وكي لا تذهب دماؤهم وتضحياتهم هدراً، هي دعوة إلى إعادة التفكير في المسار اللبناني برمّته. فالدروس التي يقدمها هذا النص الذي أدلى به أمين عام “منظمة العمل الشيوعي” في سياق مراجعتها لتجربتها، التي مهدت لتحولاتها الفكرية ولتوجهاتها السياسية البرنامجية قبل اكثر من عقدين من الزمن وصولاً إلى تغيير الاسم الذي أصبح “منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني”، لا تزال راهنة، وربما أكثر إلحاحاً اليوم من أي وقت مضى.

كثيرة هي الاوهام التي سقطت: الانتصارات من مواقع الانقسام، وإمكان إدارة الانقسام وتكريس الهيمنة، ووهم القدرة على التعايش مع نظام طائفي مأزوم، وصولاً إلى الاحتماء بالخارج. ولذلك لم يعد ممكناً الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام، أو إعادة إنتاج التسويات الهشّة نفسها التي قادت البلاد إلى هذا الانهيار الشامل.

لبنان اليوم أمام لحظة فاصلة: إما كسر الحلقة المفرغة التي تربط بين الطائفية والارتهان والحروب، أو الانزلاق نحو تفكك لا يمكن احتواؤه. ولا يمكن مواجهة هذا الخطر إلا عبر مشروع وطني ديمقراطي علماني واضح، يعيد الاعتبار للدولة، ويضع حداً لازدواجية السلاح، ويحرر القرار الوطني من كل أشكال التبعية، ويربط السيادة بالعدالة الاجتماعية، لا بالشعارات.

إن المطلوب لم يعد إصلاحاً جزئياً ولا تسوية ظرفية، بل انتقال سياسي فعلي يفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. انتقال تقوده قوى اجتماعية ديمقراطية عابرة للطوائف، قادرة على تحويل النقد إلى برنامج، والوعي إلى فعل، والغضب إلى تغيير.

بهذا المعنى، لا تكون ذكرى 13 نيسان مجرد استعادة لماضٍ مأساوي، بل إنذاراً أخيراً: إما أن يتحوّل الدرس إلى مشروع إنقاذ، أو يبقى لبنان أسير تاريخه، ويدفع أثمان حروبه مرة بعد مرة، من دون أفق للخلاص.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com