خاص بوابة بيروت

رئيس التحرير
في الثامن من نيسان 2026، عاش لبنان واحدة من أبشع المجازر في تاريخه الحديث. ففي غضون عشر دقائق فقط، شنّ العدو الإسرائيلي نحو 100 غارة جوية متزامنة استهدفت أحياءً سكنية مكتظّة في بيروت ومناطق أخرى من البلاد، مستخدمةً 50 مقاتلة ألقت 160 قنبلة، نُفّذت هجمات مفاجئة ودامية، من دون سابق إنذار، ما أدى إلى انهيار أبنية سكنية كاملة فوق رؤوس قاطنيها.
مع انتهاء عمليات البحث عن الناجين ورفع الأنقاض، وقد ناهزت حصيلة ضحايا تلك الغارات إلى 307 شهيدًا و 1300 جريحًا. وأوضحت وزارة الصحة أن هذه الأرقام لا تزال أولية وغير نهائية، إذ تواصل فرق البحث انتشال الرفات والجثث التي تحتاج إلى فحوص الحمض النووي للتعرّف إلى هويات أصحابها.
وبحسب الأرقام الصادرة عن المديرية العامة للدفاع المدني في يوم المجزرة نفسه، توزّعت الحصيلة الأولية، البالغة 254 شهيدًا و1,165 جريحًا، على الشكل الآتي: 92 شهيدًا في العاصمة بيروت، و61 شهيدًا في الضاحية الجنوبية، إضافة إلى عشرات الشهداء في النبطية وبعلبك والهرمل وصيدا وصور وكيفين ومناطق أخرى. ولم تكن المناطق ذات الغالبية السنّية في مأمن من هذه الغارات، ما يؤكد أن الاستهداف كان عشوائيًا وطال المدنيين أينما كانوا.
وقد تخطى العدد الإجمالي لشهداء الحرب منذ اندلاعها في 2 آذار 2026 أكثر من 2000 شهيدًا و 6300 جريحًا. وفي خطوة تعكس فداحة الكارثة، أعلنت الحكومة اللبنانية يوم الخميس يوم حداد وطني على أرواح الضحايا.
وسط هذا الدمار الهائل، لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي. ففي اليوم التالي للمجزرة، عقد مجلس الوزراء جلسة طارئة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اتُّخذت خلالها حزمة من القرارات الحاسمة.
فقد تمّ تكليف الجيش والقوى الأمنية بفرض سيطرة الدولة الكاملة على العاصمة بيروت، وحصر السلاح بالقوى الشرعية فقط، في خطوة وصفها سلام بأنها تأتي «حرصًا على سلامة وأمن وممتلكات المواطنين». كما قررت الحكومة تقديم شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي ضد إسرائيل، على خلفية اعتداءاتها المتواصلة وانتهاكها الصارخ للقانون الدولي والإنساني. كذلك، جرى تكثيف الاتصالات الدبلوماسية لضم لبنان إلى أي اتفاق لوقف إطلاق النار، حيث قال الرئيس عون بصراحة قاسية: «لقد تعبنا من بيانات الإدانة وحدها».
كما أشاد الرئيس عون بالاستجابة المنسّقة للمؤسسات الحكومية بعد الهجمات الإسرائيلية، لا سيما في مجالات الرعاية الطبية، والإخلاء، وعمليات الإنقاذ، وإزالة الأنقاض. وفي هذا السياق، أعلن سلام تأجيل سفره إلى الولايات المتحدة والأمم المتحدة، لمتابعة العمل الحكومي من بيروت في ظل الأوضاع الداخلية الراهنة، تأكيدًا على أولوية الداخل في هذه اللحظة العصيبة.
لكن، وبدلًا من أن تتوحّد المواقف تحت وطأة المجزرة، بدأ البعض يحاول تحويل الكارثة إلى مناسبة لتصفية حسابات سياسية رخيصة. فبعد أيام فقط من المجزرة، انطلقت حملة ممنهجة تستهدف رئيس الحكومة نواف سلام، تقودها ميليشيا «حزب الله» المحظورة وجمهورها بطريقة منسّقة ومدروسة.
وقد تصاعدت وتيرة هذه الحملة على خلفية مواقف الرئيس سلام الداعية إلى حصر السلاح بيد الدولة، وإعلان بيروت منطقة منزوعة السلاح، إلى جانب قرار الدولة خوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من أجل وقف إطلاق النار.
واتخذت هذه الحملة أشكالًا متعددة، من حملات التخوين والاتهامات بالعمالة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى التحريض الإعلامي المكثف، وصولًا إلى الشارع. فقد خرج مئات المناصرين للتظاهر أمام السراي الحكومي وفي محيطه وفي مناطق متفرقة من العاصمة، رافعين شعارات تطالب بإسقاط الحكومة ومحاكمة رئيسها.
والأدهى من ذلك، أن بعض أنصار الحزب تجاوزوا كل الخطوط الحمراء عندما وصفوا رئيس الحكومة بأنه «صهيوني»، وبأنه «برّر لإسرائيل قصف لبنان»، في اتهامات خطيرة تعكس مسارًا من التحريض الممنهج الهادف إلى تفريغ الدولة من مضمونها، وإسقاط آخر معقل للشرعية الوطنية في هذا البلد المنكوب.
وبلغ الأمر ذروته عندما هدّد محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في ميليشيا «حزب الله»، بإسقاط حكومة نواف سلام بعد انتهاء الحرب، مشبّهًا إياها بنظام فرنسا الفيشية. في إشارة واضحة إلى أن المعركة اليوم ليست ضد العدو الإسرائيلي فحسب، بل ضد الدولة نفسها أيضًا.
هذا المنطق المريض، منطق الدويلة التي تريد إسقاط الدولة في أحرج لحظاتها، هو بالضبط ما يحتاجه مشروع الفوضى كي يعيد إنتاج نفسه. فإسقاط نواف سلام اليوم لا يعني إسقاط رجل، بل يعني إسقاط مشروع الدولة في أخطر لحظة يمرّ بها لبنان.
لقد أثبتت الأيام الماضية أن الدولة اللبنانية، رغم ضعفها وإمكاناتها المحدودة، هي المرجعية الوحيدة القادرة على إدارة الأزمة، وتنسيق جهود الإغاثة، وتمثيل اللبنانيين دوليًا، وحماية ما تبقّى من مقومات الصمود. وإن تدمير هذه المرجعية اليوم ليس سوى خدمة مجانية لمشروع إعادة إنتاج الفوضى والعبث والوصاية.
لهذا، يجب أن يُقال بوضوح، ومن الآن، لن يسقط نواف سلام، لا في الشارع، ولا عبر حملات التحريض، ولا تحت ضغط الفوضى المفتعلة. لأن سقوطه اليوم هو ١٣ نيسان جديد، وسقوط الدولة، وتكريس للفوضى، وضياع لآخر فرصة يملكها لبنان للخروج من هذا النفق المظلم.
بعد الأربعاء الأسود، لم يعد مقبولًا أن يُطلب من اللبنانيين أن يختاروا بين الجريمة والفوضى.
الجريمة إسرائيلية… والفوضى مشروع داخلي مستمر.
وبينهما، تبقى الدولة وحدها خط الدفاع الأخير.
ولهذا، فإن حماية نواف سلام اليوم ليست حماية رجل، بل حماية آخر ما تبقّى من معنى لبنان.