من #التحرير إلى سقوط هالة “#المقاومة” : كيف خسر “#حزب_الله” #لبنان بعد أن كسب تعاطفه؟

بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت

@MirazJundi

في 25 أيار من عام 2000، انسحبت إسرائيل من الجنوب اللبناني تحت ضغط العمليات العسكرية والاستنزاف الأمني، تنفيذًا للقرار الدولي 425. يومها شعر اللبنانيون، بمختلف انتماءاتهم، أن صفحة من الاحتلال قد طُويت، وأن الجنوب الذي دفع أثمانًا باهظة من الدم والتهجير عاد إلى حضن الوطن.

ذلك اليوم لم يكن انتصار حزبٍ فقط، بل لحظة وطنية جامعة. من طرابلس إلى صيدا، ومن بيروت إلى البقاع، احتفل اللبنانيون بما اعتبروه أول انسحاب إسرائيلي بالقوة من أرض عربية من دون مفاوضات أو اتفاقيات.

في تلك المرحلة، كانت صورة “المقاومة” ما تزال مرتبطة في الوعي اللبناني بمعاني الأرض والسيادة والتحرير، ولم يكن أحد يتعامل مع الجنوب بوصفه مجرد ساحة نفوذ إيراني أو قاعدة متقدمة لمشروع إقليمي.

لكن ما حصل لاحقًا غيّر كل شيء.

الجنوب لم يبدأ مع “حزب الله”

أخطر ما حاولت الدعاية السياسية لـ حزب الله ترسيخه عبر السنوات، هو تصوير الجنوب وكأنه لم يعرف المقاومة إلا بعد تأسيس الحزب عام 1982.

وهذا تزوير سياسي وتاريخي.

فالجنوب اللبناني كان بيئة مقاومة قبل ولادة الحزب بسنوات طويلة.

منذ بدايات الاحتلال الإسرائيلي، تشكلت مجموعات مقاومة متعددة الانتماءات، أبرزها “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمول”، التي ضمت قوميين ويساريين وشيوعيين وناصريين ومستقلين، وقدّمت عمليات نوعية وتضحيات كبيرة.

المقاومة لم تكن اختراعًا إيرانيًا، بل كانت جزءًا من ثقافة أبناء الجنوب الذين وُلدوا وهم يدافعون عن أرضهم وكرامتهم ووجودهم.

لكن الفارق أن المقاومة الوطنية اللبنانية كانت ترى لبنان وطنًا نهائيًا، بينما وُلد حزب الله ضمن مشروع عقائدي عابر للحدود، مرتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني وبنظرية “ولاية الفقيه”.

ومن هنا بدأت الأزمة الحقيقية.

من مقاومة الاحتلال إلى احتكار المقاومة

بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، استفاد الحزب من الدعم الإيراني المفتوح، ماليًا وعسكريًا وتنظيميًا، وتمكن تدريجيًا من فرض نفسه كالقوة المسلحة الأساسية داخل البيئة الشيعية.

ومع مرور السنوات، لم يكتفِ بمواجهة الاحتلال، بل عمل على احتكار مفهوم “المقاومة” نفسه، سياسيًا وإعلاميًا وأمنيًا، فيما جرى تهميش أو إلغاء دور القوى الوطنية الأخرى.

هناك شهادات سياسية وتاريخية كثيرة تتحدث عن صدامات وتصفية حسابات مع فصائل لبنانية مقاومة لم تقبل الخضوع للمشروع الإيراني أو لهيمنة الحزب المطلقة على قرار المواجهة.

لكن رغم كل ذلك، بقيت شريحة واسعة من اللبنانيين تمنح الحزب غطاءً سياسيًا وشعبيًا، لأن البوصلة يومها كانت ما تزال متجهة نحو الاحتلال الإسرائيلي.

عام 2000… الذروة التي لم يعرف الحزب كيف يحافظ عليها

بعد الانسحاب الإسرائيلي، وصل الحزب إلى ذروة شرعيته اللبنانية والعربية.

حتى خصومه السياسيون لم يجرؤوا يومها على مهاجمة فكرة المقاومة.

في طرابلس، استقبل الناس مقاتليه، ورفعت صور التحرير، واحتفل اللبنانيون بما اعتبروه إنجازًا تاريخيًا.

كان يمكن لتلك اللحظة أن تتحول إلى بداية بناء دولة قوية تستفيد من إنجاز التحرير وتعيد دمج السلاح ضمن المؤسسات الشرعية اللبنانية.

لكن الحزب اختار مسارًا آخر.

بدل الانتقال من منطق “المقاومة” إلى منطق “الدولة”، تمسك بسلاحه، وبدأ تدريجيًا بربط لبنان أكثر فأكثر بالمشروع الإيراني الإقليمي.

وهنا بدأ التصدع الحقيقي في صورته الوطنية.

اغتيال رفيق الحريري… لحظة سقوط الثقة

شكّل اغتيال رفيق الحريري عام 2005 نقطة التحول الكبرى في الحياة السياسية اللبنانية.

فبعد الجريمة، لم يعد الانقسام داخليًا حول ملفات سياسية عادية، بل أصبح صراعًا بين مشروع الدولة ومشروع السلاح.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت صورة الحزب تتغير داخل وجدان قسم كبير من اللبنانيين، خصوصًا مع تصاعد الخطاب التخويني، ورفض أي نقاش جدي حول مستقبل السلاح أو موقع لبنان في الصراعات الإقليمية.

حرب 2006… التعاطف الأخير

خلال حرب تموز 2006، تعاطف اللبنانيون والعرب مع الجنوب والضحايا المدنيين، ووقف كثيرون مجددًا خلف الحزب في مواجهة إسرائيل.

لكن ما بعد الحرب لم يكن كما قبلها.

بدأ اللبنانيون يطرحون أسئلة مصيرية، من يقرر الحرب؟ ومن يقرر السلم؟ وهل يجوز لفصيل حزبي أن يربط مصير بلد كامل بحسابات إيران والمنطقة؟

ورغم الأموال العربية التي تدفقت لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، لم يستطع الحزب استعادة الإجماع الوطني الذي امتلكه بعد تحرير الجنوب.

لأن المشكلة لم تعد مرتبطة بإسرائيل فقط، بل بطبيعة المشروع الذي يحمله الحزب داخل لبنان.

7 أيار 2008… يوم سقطت “المقاومة” داخليًا

في 7 أيار 2008، انهارت الصورة التي حاول الحزب حمايتها لسنوات.

حين وُجّه السلاح إلى الداخل اللبناني، وسقط قتلى في بيروت والجبل، أدرك كثير من اللبنانيين أن هذا السلاح لم يعد مجرد “سلاح مقاومة”، بل أصبح أداة لفرض موازين قوة داخلية بالقوة العسكرية.

منذ ذلك اليوم، سقطت الهالة الأخلاقية والسياسية التي أحاطت بالحزب بعد عام 2000.

فاللبناني قد يقبل السلاح في مواجهة الاحتلال، لكنه لا يقبل أن يتحول هذا السلاح إلى سلطة فوق الدولة وفوق المؤسسات وفوق الإرادة الوطنية.

من “التحرير” إلى ربط لبنان بالمحور الإيراني

لاحقًا، ومع انخراط الحزب في الحرب السورية، وتوسعه العسكري والسياسي ضمن المحور الإيراني في المنطقة، لم يعد ينظر إليه كتنظيم لبناني مقاوم فقط، بل كذراع إقليمية تنفذ استراتيجيات تتجاوز حدود لبنان ومصالح اللبنانيين.

وهنا تحولت المعضلة من قضية سلاح إلى قضية هوية وطنية.

هل لبنان دولة مستقلة؟ أم مجرد ساحة متقدمة في مشروع الحرس الثوري الإيراني؟

هذا السؤال لم يعد يطرحه خصوم الحزب فقط، بل بات مطروحًا داخل بيئات لبنانية واسعة أنهكتها الحروب والعقوبات والانهيار والعزلة العربية والدولية.

لماذا تغيّر المزاج اللبناني؟

عام 2000، كان الحديث عن السلام أو التطبيع مع إسرائيل يُعتبر من المحرمات السياسية والشعبية في لبنان.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بالكامل.

هناك شريحة متزايدة من اللبنانيين تطالب بحصر السلاح بيد الدولة، وتطبيق القرارات الدولية، والوصول إلى هدنة أو تفاهمات طويلة، وبعضها يذهب أبعد من ذلك باتجاه المطالبة بالسلام الكامل.

وهذا التحول لم تصنعه إسرائيل، بل صنعه الأداء السياسي والعسكري لحزب الله نفسه.

حين تتحول “المقاومة” إلى مشروع نفوذ داخلي وإقليمي، وحين يصبح لبنان رهينة حسابات الخارج، فمن الطبيعي أن تتآكل شرعية هذا السلاح داخل المجتمع اللبناني.

الخلاصة، انتهى زمن الهالة

25 أيار سيبقى يومًا مفصليًا في تاريخ لبنان، لأنه يوم انسحاب إسرائيل من الجنوب.
لكن ما انتهى فعليًا هو القدرة على استخدام “التحرير” كغطاء دائم لمشروع يتجاوز الدولة اللبنانية.

لقد نجح حزب الله في تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، لكنه فشل في إقناع اللبنانيين بأن سلاحه بات لحماية لبنان لا لحماية مشروع إيران.

وهنا سقطت الهالة.

فاللبنانيون الذين التفوا حول المقاومة يوم كان هدفها الأرض، بدأوا ينفضّون عنها حين تحولت إلى سلطة فوق الدولة، وإلى قوة تقرر الحرب والسلم والسياسة الخارجية والداخلية بمعزل عن المؤسسات الشرعية.

المعضلة اليوم لم تعد بين مقاومة وخيانة، كما يحاول البعض تصويرها، بل بين مشروع دولة لبنانية سيدة مستقلة، ومشروع يبقي لبنان ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

وفي لحظة ما، ستُجبر كل القوى اللبنانية على الإجابة عن السؤال الذي يتهرب منه الجميع منذ سنوات، هل نريد لبنان وطنًا نهائيًا للبنانيين… أم مجرد خط تماس دائم في حروب المنطقة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك