الشيطان الأكبر ومحور الشر: «زواج متعة» فوق أنقاض الشرق الأوسط

كيف تحوَّل الشرق الأوسط إلى صفقة دمٍ مفتوحةٍ بين واشنطن وطهران؟

خاص بوابة بيروت

منذ أكثر من أربعة عقود، يعيش الشرق الأوسط تحت أكبر عملية خداعٍ سياسيٍّ في العصر الحديث: عداوةٌ معلنةٌ بين الولايات المتحدة وإيران، يقابلها على الأرض تقاطعُ مصالحٍ باردٍ ومدروسٍ.

خطاباتٌ ناريةٌ في العلن، وصفقاتٌ تحت الطاولة في الخفاء، فيما تدفع الشعوب العربية الفاتورة دمًا وخرابًا وانهيارَ دولٍ.

العداء الكاذب، أكبر عملية خداعٍ سياسيٍّ في العصر الحديث

لم يكن الصراع الأميركي – الإيراني يومًا معركةً لكسر أحد الطرفين أو إسقاطه.

واشنطن لم تعمل فعليًّا على إنهاءِ النظام الإيراني، وطهران لم تدخل يومًا في مواجهةٍ وجوديةٍ حقيقيةٍ مع الولايات المتحدة.

ما جرى ويجري هو إدارةٌ متبادلةٌ للتوتر، تُستخدَم فيها المنطقة كساحةِ ابتزازٍ ومختبرِ نفوذٍ دائمٍ.

«المقاومة» كذبةٌ استراتيجيةٌ… والمشروع الحقيقي احتلالُ العواصم العربية

إيران بنت مشروعها على شعارات «الموت لأميركا» و«تحرير القدس»، لكنها عمليًّا لم تُحرِّر شبرًا واحدًا من فلسطين، بينما نجحت في تدمير بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

تحوَّلت «القضية الفلسطينية» إلى غطاءٍ أيديولوجيٍّ لتوسيع الإمبراطورية الأمنية للحرس الثوري، وتحولت الميليشيات إلى جيوشِ احتلالٍ مذهبيٍّ عابرٍ للحدود، مهمتها السيطرة على الدول العربية لا مواجهة إسرائيل.

الحقيقة القاسية أن طهران لم تبنِ محورَ مقاومةٍ، بل بنت «شبكةَ ابتزازٍ مسلحٍ» تُدير بها الدول المنهكة وتفاوض العالم على حسابها.

واشنطن لا تحارب إيران… بل تستثمر فيها

أما الولايات المتحدة، فمارست أعلى درجات النفاق الجيوسياسي.

تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها سلَّمت العراق عمليًّا لإيران بعد عام 2003، وراقبت التمدد الإيراني في سوريا بصمتٍ باردٍ، وتعاملت مع اختطاف لبنان كملفٍّ قابلٍ للإدارة لا كجريمةٍ سياسيةٍ بحق دولةٍ ذاتِ سيادةٍ.

الحقيقة الصادمة أن واشنطن لم تعتبر النفوذ الإيراني خطرًا وجوديًّا، بل أصلًا استثماريًّا.

إيران بالنسبة إليها ليست عدوًّا كاملًا، بل «وحشًا مضبوطَ الإيقاع»: يُثير الذعر بما يكفي لابتزاز الخليج، وتبرير القواعد العسكرية، وإعادة تدوير صفقات السلاح، ومنع تشكُّل أيِّ توازنٍ إقليميٍّ مستقلٍّ.

الحرس الثوري لا يعيش إلا فوق جثث الدول المنهارة

في المقابل، يُدرك النظام الإيراني أن بقاءه مرتبطٌ بإنتاج الفوضى.

فهذا النظام لا يعيش إلا داخل البيئات المنهارة: دولٌ ضعيفةٌ، وحدودٌ سائبةٌ، وطوائفُ خائفةٌ، واقتصاداتٌ مدمرةٌ.

لذلك لا يستطيع التراجع عن مشروعه الميليشيوي، لأن أيَّ عودةٍ للدولة الوطنية العربية تعني تلقائيًّا نهايةَ مشروع «ولاية الفقيه» خارج إيران.

إيران لا تُصدِّر الثورة… بل تُصدِّر الانهيار المنظَّم.

من «محور الممانعة» إلى بورصةِ نفوذٍ إقليميةٍ

لهذا السبب، لم يعد ممكنًا التعامل مع ما يجري كصراعٍ عقائديٍّ.

إنه «تقاسمٌ وظيفيٌّ» للمنطقة، واشنطن تُدير السقف، وطهران تُدير الفوضى تحته.

حتى التصعيد العسكري بات أقرب إلى طقوسٍ تفاوضيةٍ منه إلى حروبٍ حقيقيةٍ.

إيران ترفع مستوى النار عبر الوكلاء، ثم تُفتح قنواتُ التفاوض. الحوثيون يُهددون الملاحة، فتبدأ المساومات. الميليشيات العراقية تستهدف القواعد، فتُعاد صياغة التفاهمات.

لبنان يُدفَع نحو الانهيار الكامل، ثم يُطلب من اللبنانيين «الحفاظ على الاستقرار».

إنها ليست مواجهةً وجوديةً بين «الشيطان الأكبر» و«محور الشر»، بل سوقُ نفوذٍ مفتوحٌ فوق جثث العرب.

المشروع النووي: بوليصةُ حمايةٍ لعصابةٍ إقليميةٍ عابرةٍ للحدود

الأخطر أن المنطقة تحوَّلت إلى رهينةٍ لهذا الابتزاز المتبادل.

إيران تستخدم السلاح النووي كبوليصةِ حمايةٍ لمشروعها التوسعي، والولايات المتحدة تستخدم المشروع الإيراني كذريعةٍ لإدامة حضورها العسكري والسياسي.

أما الدول العربية، فتُترك بين خيارين قاتلين، إما الخضوعُ للميليشيات، أو الارتهانُ للخارج.

لم يعد المشروع النووي الإيراني ملفًّا تقنيًّا، بل مظلةً سياسيةً لحماية اقتصاد الحروب والميليشيات والفوضى المنظَّمة.

لبنان: الجمهورية المخطوفة تحت رعايةٍ دوليةٍ صامتةٍ

في لبنان، تظهر الصورة بأوضح أشكالها وأكثرها انحطاطًا.

دولةٌ مخطوفةٌ بالكامل، واقتصادٌ مدمرٌ، ومؤسساتٌ منهارةٌ، وقرارٌ سياديٌّ مرتهنٌ لتنظيمٍ عسكريٍّ يتصرف كذراعٍ إيرانيةٍ فوق الدستور والقانون.

ومع ذلك، لا يزال «المجتمع الدولي» يتعامل مع الكارثة اللبنانية بمنطقِ إدارةِ الأزمة لا حلِّها، لأن المطلوب إبقاءُ لبنان ورقةَ ضغطٍ لا دولةً مستقلةً.

لقد تحوَّل لبنان من وطنٍ إلى منصةِ تفاوضٍ إقليميةٍ يدفع شعبه ثمنها كلَّ يومٍ.

الشرق الأوسط لم يعد يُدار… بل يُفكَّك عمدًا

لقد سقطت كل الأكاذيب. لا إيران تقاتل لتحرير الشعوب، ولا الولايات المتحدة تحمي الديمقراطيات. كلاهما يتعامل مع الشرق الأوسط كمساحةِ نفوذٍ قابلةٍ للتفكيك وإعادةِ التركيب بحسب المصالح.

والنتيجة أمامنا، عواصمُ عربيةٌ مدمرةٌ، ومجتمعاتٌ مفككةٌ، وأجيالٌ ضائعةٌ، ودولٌ تحوَّلت إلى ساحاتٍ مستباحةٍ لأجهزةِ الاستخبارات والميليشيات والأساطيل الأجنبية.

هذه ليست «حربَ مبادئ». إنها إدارةٌ منظَّمةٌ للخراب.

الشعوب العربية ليست طرفًا… بل ضحيةٌ على طاولةِ المقايضة

أما الشعوب العربية، فهي ليست شريكًا في هذه اللعبة، بل مجردُ خسائرَ جانبيةٍ في «زواج المتعة» بين الشيطان الأكبر ومحور الشر.

إنه تحالفٌ غيرُ معلنٍ بين مشروعين يتغذيان من الفوضى نفسها، أحدهما يبيع الخوف، والآخر يبيع «المقاومة»، بينما تُباع أوطاننا قطعةً قطعةً على طاولة المصالح الدولية.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك