
كاتب ومحلل سياسي
تسقط الحكومة، ويجب ان تسقط…
حكومة تحت الإحتلال السياسي و"حزب الله" لا يريد إسقاط الحكومة بل إسقاط الدولة
خاص بوابة بيروت
لم يعد السؤال الجوهري في لبنان اليوم يدور حول هوية من يحكم أو طبيعة التوازنات داخل السلطة التنفيذية، بل أصبحنا أمام السؤال المصيري والأخطر، هل ما زالت الدولة اللبنانية تحكم أصلًا، أم أنها باتت مجرد واجهة دستورية لكيان مخطوف؟
في لحظة سياسية بالغة الحرج والتعقيد، تتقاطع فيها موازين السلطة مع وهج السلاح غير الشرعي، يبرز الخطاب التصعيدي للشيخ نعيم قاسم كعنوان عريض لنهج يضع مؤسسات البلاد في دائرة الاتهام والتخوين المباشر.
وفي المقابل، يقف رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام في موقع الدفاع عن بقايا الدولة الرسمية، بما تمثله من دستور وقوانين ومؤسسات، في مواجهة ظاهرة غريبة عن الأنظمة السياسية: تنظيم يشارك في السلطة ويتنعم بمكاسبها، ويمارس عليها في الوقت عينه دور المعارضة الانقلابية من الشارع.
مفارقة السراي، شرعية مستباحة ونفوذ مستدام
إن الأزمة الراهنة تتجاوز الأسماء بحد ذاتها، إنها تكمن في البنية الهجينة التي تحكم علاقة الدولة بالتنظيم المسلح داخلها.
فحين يخرج قادة حزب الله ليشنوا حملات منظمة تتهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بـ”العملاء” و”الخاضعين”، محوّلين منابرهم الإعلامية والسياسية إلى منصات للتحريض اليومي والتخوين المذهبي، فإننا لا نكون أمام اختلاف طبيعي في وجهات النظر ضمن لعبة ديمقراطية؛ بل أمام انفصام سياسي وانتهازية فجة.
كيف يستقيم المنطق الدستوري عندما يهاجم تنظيمٌ الدولةَ ويصفها بـ”الخيانة”، بينما يتمسك بوزرائه ونوابه وحصصه داخل هذه الحكومة بالذات؟ إن الاستمرار في الاحتفاظ بالمقاعد الوزارية للاستفادة من النفوذ الإداري، والتعيينات، والغطاء الشرعي، بالتوازي مع التهديد بإسقاط الدولة في الشارع، يمثل نموذجًا صارخًا لابتزاز الدولة من داخل مؤسساتها.
التوثيق القانوني والدولي، تنظيم خارج عن الشرعية
المشكلة الجوهرية لم تعد مرتبطة بخلاف حول سياسات عامة أو خطط اقتصادية، بل بعقلية استعلائية تعتبر أن شرعية الدولة اللبنانية هي شرعية مشروطة، ومقيدة بمدى موافقتها على أجندة الحزب الإقليمية.
تاريخيًا ودستوريًا، وبموجب القوانين اللبنانية والقرارات الدولية ذات الصلة “لا سيما القرارين 1559 و1701” فإن أي تنظيم يحتفظ بترسانة عسكرية مستقلة، ويمارس سلطة أمنية وقضائية موازية، ويصادر قرار الحرب والسلم بالنيابة عن الشعب اللبناني، هو تنظيم يضع نفسه خارجًا عن القانون ومقوّضًا لأسس العقد الوطني.
لقد أثبتت التجارب المريرة أن سياسة “ربط النزاع” والمساكنة القسرية مع السلاح داخل الحكومات لم تؤدِّ إلى الاستقرار، بل أسفرت عن، تكريس ازدواجية السلطة “دولة شكلية على الورق، ودويلة أمر واقع في الممارسة”.
شلّ المؤسسات الدستوريةوتحويل مجلس الوزراء من سلطة تنفيذية لإدارة شؤون البلاد إلى ساحة لتمرير صفقات المحاور أو تعطيل القرار الوطني.
من الشراكة السياسية إلى الوصاية بقوة السلاح
لقد جرى تسويق مفهوم “الشراكة الوطنية” لسنوات كصيغة سحرية لحفظ التوازنات اللبنانية، لكن هذا المفهوم جرى تفريغه من مضمونه ليتحول إلى وصاية غير معلنة.
ما يريده حزب الله اليوم ليس إسقاط الحكومة كبنية تابعة للدولة، بل إسقاط هيبتها وتحويلها إلى أداة خاضعة بالكامل لمنطق السلاح، بحيث تقف رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة عند الخطوط الحمراء المرسومة لهما أمنيًا وإقليميًا.
وعندما تطالب الدولة، ممثلة بمؤسساتها الشرعية، بإعادة الاعتبار للسيادة وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني، تحرّك المنظومة فورًا ترسانتها الإعلامية والسياسية والشارعية لشتم الرئيسين وتخوين الشريحة الواسعة من اللبنانيين الذين يبحثون عن قيام دولة حقيقية.
إن هذا النهج يسقط المعايير السياسية التقليدية ويستبدل التنافس الشريف بالترهيب الفكري والسياسي.
لحظة الحقيقة، دولة واحدة أم انهيار شامل؟
إن بقاء ممثلين لحزب الله داخل الحكومة، في ظل خطاب يقوده نعيم قاسم يطعن في شرعية الكيان اللبناني، يضع البلاد أمام تناقض بنيوي مستمر. فالدولة لا يمكن أن تُدار بكفاءة من جهة تنكر وجودها وتأتمر بأوامر عابرة للحدود.
لقد سئم اللبنانيون معادلة:المشاركة في السلطة وغنم المكاسب عند الرخاء، والانقلاب عليها وتخوينها عند تعارضها مع مصالح الحزب.
هذه ليست شراكة، بل هي عملية ابتزاز مستمرة للوطن والمواطن على حد سواء.
لبنان اليوم يقف أمام لحظة الحقيقة وبلا خيارات رمادية، إما الذهاب بشجاعة نحو دولة واحدة، بقرار واحد، وسلاح واحد، ومرجعية دستورية موحدة يمثلها جوزيف عون في رئاسة الجمهورية ونواف سلام في رئاسة الحكومة ضمن منظومة سيادية كاملة متحررة من الاحتلال السياسي… وإما استمرار نموذج الدولة المعلّقة والمخطوفة، والرضوخ للفوضى المقنّعة بالشعارات، وهو طريق لا يؤدي إلا إلى الانهيار الكامل للكيان اللبناني.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير