
كاتب ومحلل سياسي
صراع العقارب… حين تبدأ السلطة بأكل نفسها
خاص بوابة بيروت
لم تعد الأزمة في إيران تقتصر على العقوبات الدولية أو الضغوط الاقتصادية أو التحديات الأمنية التي تحيط بالنظام من الخارج. فخلف الجدران السميكة للسلطة، تدور معركة أكثر خطورة، معركة لا تخوضها المعارضة ضد النظام، بل يخوضها النظام ضد نفسه. إنها لحظة “صراع العقارب”، حين تتحول مراكز القوة المتنافسة إلى أطراف تتبادل اللدغ والاتهامات في سباق محموم على النفوذ والبقاء.
تسعى السلطة في طهران إلى الظهور بمظهر الجبهة الموحدة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، غير أن الوقائع المتسربة من داخل المشهد السياسي تكشف صورة مختلفة تماماً. فكل أزمة جديدة تفتح باباً إضافياً للصراع بين أجنحة الحكم، وكل إخفاق اقتصادي أو سياسي يتحول إلى مادة لتبادل المسؤوليات والاتهامات، فيما تتراجع قدرة النظام على إخفاء التصدعات التي تنخر بنيته الداخلية.
ما يميز هذه المرحلة أن الانقسام لم يعد يدور بين المحافظين والإصلاحيين كما كان الحال خلال العقود الماضية، بل انتقل إلى قلب المعسكر الحاكم نفسه. فالقوى التي كانت تقف في خندق واحد أصبحت تتنافس على إدارة مرحلة تتزايد فيها المخاطر وتتراجع فيها الخيارات. الحرب، والعقوبات، وتعثر المفاوضات، والانهيار الاقتصادي التدريجي، دفعت كل جناح إلى البحث عن مخرج يحفظ مصالحه ويؤمن مستقبله السياسي، ولو كان الثمن إضعاف شركائه داخل السلطة.
يبرز هذا الصراع بوضوح في ملف العلاقة مع الولايات المتحدة. فهناك تيار يدرك أن استمرار العقوبات يهدد ركائز الاقتصاد ويزيد من الاحتقان الشعبي، ويرى أن أي انفراج دبلوماسي قد يخفف الضغوط ويمنح النظام فرصة لالتقاط أنفاسه. في المقابل، تخشى التيارات الأكثر تشدداً من أن يؤدي أي انفتاح إلى تقليص نفوذها أو إلى فتح الباب أمام مراجعات سياسية لا ترغب بها. وهكذا تحولت المفاوضات من وسيلة لحل الأزمات إلى ساحة مواجهة إضافية بين مراكز القوى المتنافسة.
ولا يقتصر الانقسام على السياسة الخارجية. فالاقتصاد نفسه أصبح ميداناً للصراع. كل طرف يقدم نفسه باعتباره صاحب الحل، فيما يحمل الآخرين مسؤولية الانهيار المالي وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. أما المواطن الإيراني، الذي يواجه يومياً أعباء الغلاء والبطالة وتدهور الخدمات، فيراقب هذه المعارك من موقع المتضرر لا من موقع الشريك، ويرى فيها دليلاً إضافياً على اتساع الهوة بين السلطة والناس.
الأكثر دلالة أن الخلافات التي كانت تُدار سابقاً في الغرف المغلقة بدأت تتسرب إلى الإعلام والمنابر العامة. صحف محسوبة على النظام تهاجم مسؤولين في النظام نفسه، وشخصيات نافذة تتبادل الانتقادات بصورة غير مسبوقة. وهذه ليست مؤشرات على حيوية سياسية كما يحاول البعض تصويرها، بل إشارات إلى أن حجم الأزمة بات أكبر من قدرة المؤسسات على احتوائه أو إخفائه.
يزداد المشهد تعقيداً مع تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية. فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، ازدادت حدة الصراعات الداخلية. إذ تدرك مختلف الأجنحة أن التحدي لم يعد خارجياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بقدرة النظام على الحفاظ على شرعيته في الداخل. ومن هنا تأتي محاولات كل طرف تحميل خصومه مسؤولية الفشل، استعداداً لمرحلة قد تكون الأكثر حساسية منذ عقود.
تتجاوز هذه الخلافات كونها نزاعاً على المناصب أو النفوذ. إنها تعبير عن قلق عميق حيال مستقبل النظام نفسه. فالاحتجاجات المتكررة، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، والتغيرات الإقليمية المتسارعة، كلها عوامل فرضت أسئلة وجودية حول قدرة النموذج الحالي على الاستمرار بالشكل ذاته. ومع كل أزمة جديدة، تتزايد المخاوف داخل دوائر الحكم من أن يتحول الصراع على السلطة إلى صراع على البقاء.
وفي خلفية هذا المشهد، يبرز عامل بالغ الأهمية يتمثل في تنامي الضغوط المجتمعية وتوسع المطالب بالتغيير. فكلما تزايدت الأزمات، ازدادت هشاشة التوازنات الداخلية، واشتدت المنافسة بين الأجنحة التي تحاول النجاة من سفينة تواجه عواصف متلاحقة.
المحصلة أن الخطر الأكبر الذي يواجه النظام في إيران لم يعد يقتصر على العقوبات أو الضغوط الخارجية، بل يتمثل في اتساع دائرة الصراع داخل بنيته الحاكمة نفسها. فعندما تبدأ العقارب بلدغ بعضها البعض، لا يعود السؤال من سيفوز في المعركة، بل كم سيبقى من الجسد بعد انتهائها. وحين تتحول السلطة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، يصبح التماسك الداخلي التحدي الأصعب، وربما المعركة التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة بأكملها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير