
رئيس التحرير
مئة يوم من “الانتصارات”… ولم نَعِ ولم نرتدع
السلام ليس استسلامًا عندما يكون وسيلة لحماية الناس
خاص بوابة بيروت
مئة يوم مرّت على حرب الانتقام “لقتل خامنئي” التي التهمت ما تبقى من أعصاب اللبنانيين وأرزاقهم وأحلامهم.
مئة يوم من الدم والدموع والنزوح والخراب، فيما استمر بعضهم في تسويق المشهد على أنه سلسلة من “الانتصارات” المتلاحقة، وكأنّ المدن المدمّرة انتصار، والبيوت المحروقة انتصار، والعائلات المشردة انتصار، والأرض المحتلة انتصار.
مئة يوم وجب أن تكون كافية لمراجعة الذات، ولطرح الأسئلة المؤلمة التي هرب منها كثيرون لسنوات طويلة. لكن بدل الاعتراف بالأخطاء، عاد تجار الشعارات إلى المنابر نفسها، يبيعون الوهم ذاته، ويعيدون إنتاج الخطاب نفسه الذي قاد لبنان مرارًا إلى الكارثة.
الحقيقة القاسية أن الجنوب دفع الثمن الأكبر. قرى بكاملها أصيبت بالشلل، ومناطق واسعة تحولت إلى أرض منكوبة، وآلاف العائلات وجدت نفسها بين النزوح والفقر وفقدان الأمان.
أما الذين اتخذوا القرارات الكبرى، فلم يكونوا هم الذين ناموا في مراكز الإيواء، ولا هم الذين انتظروا المساعدات، ولا هم الذين خسروا أعمارهم تحت الركام.
لقد أثبتت هذه الحرب مرة جديدة أن ربط مصير لبنان بالمشاريع “الإرهابية الخامنئية” الإقليمية لا يجلب للبنانيين سوى المزيد من الخسائر. فكلما جرى تقديم البلاد كمنصة لصراعات الآخرين، كان اللبنانيون هم من يدفعون الثمن. وكلما رُفعت الشعارات الكبرى، كانت النتيجة مزيدًا من العزلة والانهيار والدمار.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس مَن انتصر ومَن انهزم، بل، ماذا بقي من الوطن بعد كل هذه الانتصارات؟ ماذا بقي من القرى التي أفرغت من أهلها؟ ماذا بقي من الاقتصاد الذي كان بالكاد يقف على قدميه؟ وماذا بقي من الأمل لدى جيل كامل نشأ على الحروب؟
المؤلم أن “منظمة حزب الله” ما زالت تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. ما زالت تعتبر أن اللبنانيين مجرد وقود لمعارك مفتوحة، وأن الخسائر البشرية والمادية تفصيل صغير أمام الحسابات الإيديولوجية والمحاور الإقليمية. وكأن المطلوب من الناس أن يصفّقوا للخراب بدل أن يسألوا مَن تسبب به، وأن يحتفلوا بالمآسي بدل أن يحاسبوا المسؤولين عنها.
أما الذين ربطوا مستقبلهم السياسي والمالي بمشاريع “الإرهاب الخامنئي”، فإن التاريخ يعلمنا أن الولاءات المبنية على المصالح لا تدوم. مَن باع قراره مرة لمن يدفع، سيبحث غدًا عمّن يدفع أكثر. ومَن جعل الوطن مجرّد ورقة في لعبة النفوذ الإقليمي، لن يتردّد في تبديل أوراقه عندما تتغير موازين القوى.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى حرب جديدة، ولا إلى شعارات جديدة، ولا إلى انتصارات لفظية جديدة. لبنان يحتاج إلى مشروع إنقاذ حقيقي يعيد الاعتبار للدولة، ويعيد القرار الوطني إلى المؤسسات الشرعية، ويمنع تحويل البلاد إلى ساحة دائمة للصراعات.
كما يحتاج إلى مقاربة شجاعة لمسألة الأمن والاستقرار على حدوده الجنوبية، بما يحفظ حقوقه وسيادته ويعيد الحياة الطبيعية إلى أبنائه. فالسلام ليس استسلامًا عندما يكون وسيلة لحماية الناس واستعادة الأرض وإنهاء دوامة الدم. والقوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الخطب، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وصون مستقبلهم.
بعد مئة يوم من المأساة، ربما حان الوقت لأن نتوقف عن عدّ “الانتصارات الوهمية”، وأن نبدأ بعدّ الخسائر الحقيقية. فقد تمزقت الأجساد، وتبعثرت العائلات، وضاع مستقبل الأبناء.
وحان الوقت أيضًا لأن نسأل أنفسنا، كم حربًا إضافية يحتاجها اللبنانيون كي يقتنع الجميع بأن الدولة الواحدة أقوى من كل مشاريع الميليشيا الموازية، وأن مستقبل لبنان لا يُبنى على أنقاض أبنائه، بل على السلام والسيادة والعدالة وكرامة الإنسان؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير