اتفاق الإطار: هل يخرج لبنان أخيراً من جغرافيا الحروب إلى جغرافيا الدولة؟

خاص بوابة بيروت

في تاريخ الدول، ليست جميع الاتفاقات مجرد وثائق سياسية، وليست كل التسويات مجرد ترتيبات أمنية عابرة. فبعض اللحظات تتحول إلى نقاط انعطاف تاريخية، تعيد تعريف هوية الدولة، وتعيد رسم موقعها في الجغرافيا السياسية والاقتصادية للعالم.

من هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع الإعلان عن “اتفاق الإطار” بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية بوصفه حدثاً تقنياً أو تفاوضياً محدود الأثر، بل باعتباره مؤشراً على احتمال انتقال لبنان من مرحلة تاريخية امتدت لأكثر من نصف قرن، قامت على الحروب المفتوحة، والصراعات بالوكالة، والاقتصاد الريعي المرتبط بالأزمات، إلى مرحلة جديدة عنوانها الدولة، والاستقرار، والتنمية، وإعادة التموضع الاستراتيجي.

لقد عاش لبنان منذ أواخر ستينيات القرن الماضي في قلب الزلازل الإقليمية؛ من الحرب الأهلية، إلى الاجتياحات والحروب المتكررة، مروراً بتحوله إلى ساحة صراع للمشاريع الإقليمية والدولية. وفي كل مرة، كان اللبنانيون يدفعون الثمن الأكبر: اقتصاداً، ومؤسسات، وهجرةً، ومستقبلاً.

واليوم، يقف لبنان أمام سؤال تاريخي يتجاوز السياسة اليومية والانقسامات التقليدية: هل نمتلك أخيراً الجرأة للانتقال من مفهوم “وطن الساحات” إلى مفهوم “وطن الدولة”؟

من جمهورية الحروب إلى جمهورية الاستقرار

على مدى عقود، تشكل الوعي السياسي اللبناني في ظل معادلة قاسية: الأمن مقابل التنمية، والسلاح مقابل الدولة، والمحاور الإقليمية مقابل المصلحة الوطنية. لكن التجارب التاريخية الحديثة أثبتت أن الدول التي نجحت في تحقيق القفزات الاقتصادية الكبرى لم تبدأ بالاقتصاد، بل بدأت بإنتاج الاستقرار السياسي والأمني.

إن أهمية اتفاق الإطار لا تكمن في وقف إطلاق النار أو تنظيم الحدود فحسب، بل في كونه يفتح الباب أمام إعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية نفسها، بحيث تصبح حماية الإنسان اللبناني وازدهاره المعيار الأول للسياسات العامة، بدلاً من تحويله إلى وقود لصراعات الآخرين.

لقد دفع الجنوب اللبناني، عبر أجيال متعاقبة، أثماناً باهظة من الدم والدمار والتهجير والانهيار الاقتصادي. ومن حق أبناء الجنوب اليوم أن تتحول أرضهم من خطوط تماس إلى منصات تنمية، ومن ساحات مواجهة إلى مراكز استثمار وإنتاج وسياحة.

لكن العدالة الوطنية تقتضي أيضاً أن يصل هذا التحول إلى عكار، والبقاع، والشمال، والجبل، وكل المناطق التي دفعت هي الأخرى ثمن الحرمان والتهميش والزبائنية السياسية.

فالسلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الأيام التي تغيب فيها الحرب، بل بعدد المدارس والمستشفيات والمرافئ والمطارات والمصانع التي تُبنى في زمن السلم.

من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الفرص

تاريخياً، لا يمكن لأي اقتصاد أن يزدهر في ظل عدم اليقين الأمني. لقد خسر لبنان خلال العقود الماضية مئات مليارات الدولارات بصورة مباشرة وغير مباشرة نتيجة الحروب، وانعدام الاستقرار، وهروب الرساميل، وتعطيل الاستثمار.

واليوم، يفتح الاستقرار المحتمل نافذة تاريخية أمام لبنان لإعادة بناء اقتصاده على أسس مختلفة جذرياً، تقوم على:

– استقطاب الاستثمارات الدولية والخليجية.
– إعادة إحياء قطاعات السياحة والخدمات والتكنولوجيا.
– تطوير البنية التحتية والمرافئ والمطارات.
– استثمار الموقع الجيوسياسي للبنان على شرق المتوسط.
– إطلاق مشاريع إنمائية متوازنة في المناطق المحرومة.
– الانتقال من اقتصاد الريع والأزمات إلى اقتصاد المعرفة والإنتاج.

إن لبنان لا يفتقر إلى الموارد البشرية، بل افتقر لعقود إلى الاستقرار والثقة والحوكمة الرشيدة.

السيادة ليست شعاراً: الدولة أو اللادولة

لقد أثبتت التجربة اللبنانية، بكل قسوتها، أن تعدد مراكز القرار العسكري والسياسي يؤدي حتماً إلى إضعاف الدولة، واستنزاف المجتمع، وتحويل البلاد إلى رهينة للتجاذبات الخارجية.

إن أي مشروع وطني جدي لا يمكن أن يقوم إلا على ثلاث ركائز أساسية:

أولاً: احتكار الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم.

ثانياً: تعزيز الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الشرعية.

ثالثاً: بناء سلطة قضائية وإدارية مستقلة وقادرة.

فالدول الحديثة لا تُبنى بالعواطف السياسية، بل بالمؤسسات، ولا تحميها الشعارات، بل يحميها القانون والسيادة والشرعية.

ومن هنا، فإن الرعاية الأميركية والدولية لاتفاق الإطار لا تمثل مجرد ضمانة أمنية، بل تشكل أيضاً اختباراً تاريخياً للمجتمع الدولي في دعمه الفعلي للدولة اللبنانية، واختباراً أخلاقياً وسياسياً للقوى اللبنانية نفسها: هل تريد بناء دولة، أم تريد الاستمرار في إدارة الانهيار؟

الشرق الأوسط الجديد: أين سيكون موقع لبنان؟

يشهد الشرق الأوسط اليوم عملية إعادة تشكيل استراتيجية غير مسبوقة، عنوانها الانتقال التدريجي من الصراعات العسكرية المفتوحة إلى المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية.

وفي ظل هذه التحولات، لا يستطيع لبنان أن يبقى معلقاً خارج الزمن الإقليمي الجديد.

فإما أن ينضم إلى مسار الاستقرار والانفتاح والتنمية، وإما أن يبقى أسيراً لمعادلات الماضي التي أنتجت الانهيار والعزلة والهجرة الجماعية.

إن الدول لا تُقاس بتاريخ حروبها، بل بقدرتها على صناعة مستقبلها.

لحظة الحقيقة: الفرصة الأخيرة أم بداية الجمهورية الجديدة؟

قد يختلف اللبنانيون حول تفاصيل اتفاق الإطار، وحول تداعياته السياسية والاستراتيجية، لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن لبنان يقف اليوم أمام واحد من أخطر وأهم المنعطفات منذ اتفاق الطائف.

إن الرهان الحقيقي ليس على نص الاتفاق، ولا على الضمانات الدولية، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على تحويل هذه اللحظة إلى مشروع وطني شامل يعيد بناء الدولة، ويؤسس لاقتصاد حديث، ويستعيد ثقة المواطن بوطنه.

لقد تعب اللبنانيون من الحروب، ومن الارتهان، ومن اقتصاد الانهيار.

وربما تكون المرة الأولى منذ عقود التي يصبح فيها السؤال الحقيقي ليس: كيف نربح الحرب؟

بل: كيف نربح السلام؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك