
كاتب ومحلل سياسي
من #الردع إلى #الانهيار: كيف عاد لبنان إلى الحرب بعد سبعة عشر عاماً من الهدوء النسبي؟
قراءة توثيقية – تحليلية في مسؤولية القرار، وحدود الدولة، وكلفة الحروب بالوكالة
بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@mirazjundi
عندما توقفت حرب تموز 2006 بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، دخل لبنان مرحلة جديدة من تاريخه المعاصر، اتسمت بمفارقة سياسية وأمنية معقدة: دولة تعلن التزامها بالقرار الدولي وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وقوة عسكرية حزبية تحتفظ بقدراتها العسكرية المستقلة تحت عنوان “المقاومة” و”الردع”.
وعلى الرغم من عشرات الحوادث الأمنية والتوترات الحدودية التي شهدتها السنوات اللاحقة، فإن حقيقة لا يمكن تجاهلها تبقى قائمة: بين عامي 2006 و2023، لم يشهد لبنان حرباً شاملة مع إسرائيل كالتي شهدها في تموز 2006، ولم تتعرض المدن والقرى اللبنانية لموجات الدمار والنزوح الواسعة التي عرفتها البلاد خلال الحروب السابقة.
خلال هذه السنوات السبع عشرة، كان حزب الله لاعباً رئيسياً في النظام السياسي اللبناني، وشريكاً أساسياً في الحكومات المتعاقبة، وممثلاً بكتلة نيابية وازنة، وحليفاً مباشراً لقوى سياسية أساسية داخل الدولة.
وفي الوقت نفسه، كان يحتفظ بقدرة مستقلة على اتخاذ قرارات استراتيجية تتعلق بالحرب والسلم، ما خلق معادلة لبنانية فريدة: دولة تتحمل نتائج القرارات الكبرى، من دون أن تمتلك دائماً حق اتخاذها.
من “توازن الردع” إلى “وحدة الساحات”
شكّل هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 نقطة تحول استراتيجية في المنطقة بأسرها. وبعد أيام، أعلن حزب الله فتح الجبهة الجنوبية اللبنانية تحت عنوان “إسناد غزة”، في إطار ما أصبح يُعرف بمحور “وحدة الساحات”.
سواء اتفق المرء أو اختلف مع المبررات السياسية والأخلاقية لهذا القرار، فإن الوقائع الدستورية والسياسية تشير إلى أن قرار الانخراط العسكري لم يصدر عن إجماع المؤسسات الدستورية اللبنانية، ولم يكن نتيجة قرار وطني جامع صادر عن الدولة اللبنانية بمؤسساتها الشرعية.
ومع اتساع نطاق المواجهات، دخل لبنان مجدداً في دوامة الحرب المفتوحة: قرى مدمرة، آلاف الضحايا والجرحى، مئات آلاف النازحين، خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات، وتراجع إضافي في فرص التعافي الوطني بعد واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخ البلاد.
المسؤولية السياسية: السؤال الذي يسبق كل الأسئلة
في الدول الطبيعية، لا يقتصر النقاش بعد الحروب على حجم الخسائر، بل يبدأ بالسؤال الأكثر أهمية: من اتخذ القرار؟
إن التعاطف مع الضحايا، والاعتراف بالتضحيات البشرية الهائلة، لا يلغي ضرورة مساءلة الجهات السياسية والعسكرية التي اتخذت القرارات المصيرية. بل إن احترام تضحيات الضحايا أنفسهم يفرض، أخلاقياً وسياسياً، البحث في أسباب الكارثة ومن يتحمل مسؤوليتها.
لقد شهد لبنان، منذ الاستقلال، نمطاً متكرراً من الحروب والصراعات التي دفعت أثمانها الدولة والمجتمع، بينما غابت في معظم الأحيان آليات المحاسبة السياسية الفعلية. وبدلاً من أن تتحول الهزائم والأزمات إلى لحظات مراجعة وطنية، غالباً ما تحولت إلى أدوات لإعادة إنتاج الانقسامات وتبادل الاتهامات.
هل الدولة مسؤولة عن قرار لم تتخذه؟
يطرح الواقع اللبناني إشكالية دستورية وسياسية عميقة: إلى أي مدى يمكن تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية نتائج قرارات عسكرية لم تصدر عن مؤسساتها الدستورية بصورة مباشرة؟
من الناحية النظرية، تتحمل الدولة مسؤولية حماية مواطنيها وإدارة الأزمات الوطنية. لكن من الناحية السياسية والواقعية، يصعب تجاهل أن جزءاً أساسياً من القرار العسكري والاستراتيجي ظل، لعقود، خارج الاحتكار الحصري للمؤسسات الرسمية.
ومن هنا، فإن اختزال أسباب الكارثة بالدولة اللبنانية وحدها، مع إغفال دور القوى السياسية والعسكرية التي شاركت في رسم الخيارات الاستراتيجية للبلاد، لا يشكل قراءة موضوعية للأحداث، بل يمثل هروباً من النقاش الأساسي حول طبيعة السلطة والمسؤولية في لبنان.
الحروب بالوكالة: الكلفة اللبنانية الدائمة
يكشف التاريخ اللبناني الحديث حقيقة مؤلمة: عندما يتحول بلد صغير، يعاني من هشاشة سياسية واقتصادية ومؤسساتية، إلى ساحة تقاطع للصراعات الإقليمية، تصبح كلفة القرارات أكبر من قدرة المجتمع على تحملها.
فالحروب لا تُقاس بالشعارات، ولا بالنوايا، ولا بحجم الخطابات التعبوية، بل بنتائجها النهائية على حياة الناس، وعلى الاقتصاد، وعلى مؤسسات الدولة، وعلى مستقبل الأجيال القادمة.
وعندما يُقتل الآلاف، ويُهجّر مئات الآلاف، وتُدمر المدن والقرى، يصبح من حق اللبنانيين، بل من واجبهم الوطني، أن يسألوا: هل كان بالإمكان تجنب هذه الكارثة؟ ومن اتخذ القرار الذي أوصل البلاد إليها؟
الدولة أولاً… أو تكرار المأساة
ربما تكمن المأساة اللبنانية الحقيقية في أن البلاد لم تحسم، حتى اليوم، سؤالاً تأسيسياً بسيطاً ومعقداً في آن واحد: من يملك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم؟
فمن دون إجابة واضحة عن هذا السؤال، ستبقى الدولة اللبنانية تتحمل نتائج قرارات قد لا تكون هي من اتخذها، وسيبقى المواطن اللبناني يدفع، مرة بعد مرة، ثمن صراعات تتجاوز قدرته على التأثير فيها.
لقد أثبتت التجارب، من عام 1975 إلى عام 2026، أن الدولة ليست ترفاً سياسياً، وأن احتكارها للسيادة والسلاح والقرار الاستراتيجي ليس مطلباً نظرياً أو شعاراً أيديولوجياً، بل شرطاً أساسياً لبقاء الأوطان وحماية الشعوب.
ويبقى السؤال الذي سيحكم مستقبل لبنان لعقود مقبلة: هل يتجه اللبنانيون أخيراً نحو بناء دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، أم سيستمر الوطن في دفع أثمان قرارات تتخذ خارج مؤسساته، فيما يتحمل شعبه وحده كلفة الدم والدمار والضياع؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير