#لبنان بين فرصة #السلام وشبح “#الانتصارات” المستمرة

بقلم بلال مهدي – خاص بوابة بيروت

@BilalMahdiii

تُكتب المآسي الوطنية أحيانًا بالدم، وأحيانًا أخرى بسلسلة طويلة من الفرص الضائعة. أمّا في لبنان، فقد كُتبت على امتداد عقود بعقلية واحدة، رفضٌ يسبق التفكير، ثم هزيمة تُقدَّم على أنها انتصار، ثم تنازل أكبر يُسوَّق على أنه إنجاز تاريخي، حتى باتت حدود الطموح الوطني تتراجع مع كل حرب، فيما تتقدّم حدود الخسارة بلا مقاومة.

مسار الأحداث منذ عام 2000 يكشف حقيقة يصعب تجاهلها. ففي كل محطة مفصلية، كان هناك عرض أو فرصة أو تسوية، وكان يقابلها خطاب يَعِد بالنصر الكامل ويرفض كل تسوية باعتبارها استسلامًا. لكن السنوات كانت تُثبت أن ما رُفض بالأمس يعود بعد الحرب بصورة أكثر قسوة، وأن ما اعتُبر تنازلًا مرفوضًا يتحول لاحقًا إلى حلم يسعى الجميع للحصول عليه.

عُرضت معالجة قضية مزارع شبعا ضمن إطار دولي بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ثم طُرحت تسويات تتعلق بالحدود البرية والبحرية، ثم جاءت مبادرات متتالية لوقف الحروب ومنع اتساعها. وفي كل مرة، كانت لغة الشعارات تنتصر على لغة المصالح الوطنية، قبل أن تأتي نتائج الحروب لتفرض وقائع أشد إيلامًا مما كان مطروحًا أصلًا.

هكذا تتقلص الأحلام تدريجيًا. كان الحديث يومًا عن نقل مجرى النهر إلى الحدود، فأصبح النقاش يدور حول الانسحاب إلى شمال الليطاني. وكان السقف استعادة كامل الأرض، فأصبح الأمل اليوم يقتصر على انسحاب من بضعة مواقع، أو عودة أهالٍ إلى قراهم، أو الحصول على إذن بإعادة إعمار ما دمرته الحروب.

ليست المشكلة في أن الاتفاقات قد تكون مجحفة، فالتاريخ مليء باتفاقات فرضها “المنتصر” على “المهزوم”. المشكلة الحقيقية تكمن في أن السياسات التي أوصلت البلاد إلى تلك الهاوية تُقدَّم بعد ذلك باعتبارها انتصارًا، فيما يُطلب من الناس التصفيق للخسارة لأنها أقل سوءًا من الكارثة التي كانت تلوح في الأفق.

أخطر ما يصيب الشعوب ليس الهزيمة العسكرية، بل اعتياد تقليص سقف الأحلام. حين يصبح استرجاع جزء من الحقوق إنجازًا تاريخيًا، وحين تتحول العودة إلى البلدات المدمرة إلى حلم، وحين يغدو وقف النار مطلبًا استثنائيًا، فهذا يعني أن ميزان الطموحات الوطنية قد انهار قبل أن تنهار الجبهات.

الأمم التي تبني مستقبلها لا تقيس قوتها بعدد الخطب ولا بحجم الشعارات، بل بحجم ما تحققه لشعوبها من أمن واستقرار وسيادة وتنمية. أما تحويل كل جولة قتال إلى مناسبة لإعادة إنتاج الخطاب نفسه، فهو لا يصنع انتصارًا، بل يؤجل الاعتراف بالواقع حتى تصبح كلفة الاعتراف أكبر بكثير.

التاريخ الحديث للمنطقة يكشف أيضًا أن كثيرًا من الحروب لم تكن تُدار بالشعارات التي كانت تُرفع أمام الجماهير. خلف الكواليس كانت تُعقد التفاهمات، وتُرسم حدود النفوذ، وتُحدد خطوط التقدم والتراجع، بينما كانت الشعوب تدفع الثمن من دمائها ومدنها واقتصادها ومستقبل أجيالها.

لبنان اليوم يقف أمام لحظة مراجعة لا تحتمل المكابرة. فالسؤال لم يعد من انتصر في الخطاب، بل من خسر الأرض، ومن خسر الاقتصاد، ومن خسر أبناءه، ومن خسر فرصة بناء دولة قادرة طوال عقود. والسؤال الأكثر إيلامًا، كم فرصة أخرى سيخسرها اللبنانيون قبل أن يدركوا أن السياسة ليست فن رفع السقوف، بل فن حماية الأوطان؟

ربما تكون المأساة الأكبر أن اللبنانيين لم يعودوا يحلمون بما كانوا يحلمون به قبل سنوات. فالأحلام نفسها تقلصت، كما تقلصت الجغرافيا السياسية، وتقلصت القدرة على المبادرة، وتقلص هامش القرار الوطني.

يبقى الأمل الوحيد أن يستعيد لبنان بوصلته قبل أن يصبح ما يُعدّ اليوم اتفاقًا مجحفًا أمنيةً يتمنى اللبنانيون العودة إليها بعد حرب جديدة. فالتاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تُبنى على تكديس الرفض، ولا تُحمى بالمزايدات، ولا تستعيد سيادتها بتكرار الأخطاء نفسها، بل بالشجاعة في مراجعة المسار قبل أن يتحول الوطن كله إلى حلم، ويصبح الحلم نفسه ترفًا لا يملكه أحد.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك