من نيويورك إلى الجنوب

وهكذا يجد لبنان نفسه أمام مسارين متوازيين: مسار دولي يسعى إلى تثبيت سيادة الدولة وحماية الجنوب، ومسار إقليمي قد تعيد أي مفاوضات أميركية ـ إيرانية جديّة تشكيل بيئته. وبينهما يبقى الاقتصاد والواقع المعيشي عاملَي ضغط إضافيين على الداخل اللبناني. فهل سيستطيع لبنان أن يعبر ما بين العمليّتين الانتخاباتيّتين حتّى الوصول إلى بدء الترتيبات المنيّة الجديدة ما بعد هذه المرحلة؟ أم أنّ الميدان سيسبق هذه الفرصة مرّة جديدة؟

خاص بوابة بيروت

الحدث اليوم من نيويورك في افتتاح اجتماعت الجمعية العامة للأمم المتحدة. دونالد ترامب يستعرض ويعرض ما سيحقق ليس كرئيس فقط لأميركا بل للعالم. والأهمية في حديثه عن مهاجمة الراعي الأول للإرهاب عن النظام الايراين، لكنّه ترك الباب مفتوحًا أمام الصفقة. معربًا أنّ هذه الصفقة ستكون بعد الانتخابات النّصفيّة.

إيران تهاجم الأمم المتّحدة، ووفقًا لمسؤول ديبلوماسي كبير عرض فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام شرط رفع الحصارالأميركي ليرد روبيو أن الاحتمالات مفتوحة لكن مع استمرار الشروط الأميركية والتهديد بالمزيد إضافة إلى منع هبوط الطائرات الايرانية في المطارت العالمية.

إلى ذلك كلّه لا يمكن إنكار الواقع المزري الذي أصبح فيه الجنوب، فضلًا عن الانعكاسات السلبيّة النّاجمة عن الغلاء المتنامي نتيجة لتراكم الحداث من الخليج إلى المحيط، ولبنان ما بينهما. والمؤسف وسط هذه المعركة الكبرى تستمر معركة تفجير وتجريف لمنازل، ولا سيما في وادي السلوقي ومحيط مرجعيون وبنت جبيل والمنصوري، في وقت استمرت فيه التحركات الإسرائيلية داخل عدد من المناطق الحدودية، فضلًا عن تكثيف الغارات.

وفي ظلّ هذه المشهديّة الميدانيّة المؤلمة برزت مشهدية نيويورك التي سعت إلى استنهاض الهمم واستنفار المسار التفاوضي للحضّ على تنفيذ الاتّفاق الإطار. وإن دلّت هذه الأحداث على شيء فهي تشير بوضوح أنّ أركان الدّولة يحاولون عبر نيويورك استعادة مبدأ قوّة الشرعيّة ليواجهوا من خلال مبدأ شرعيّة قوّة الذي تمّ إسقاطه جنوبًا. لكن المفارقة أنّ المنظّمة لا زالت تحاول ابتزاز الدّولة عبره في الدّاخل.

في المقابل كثّف رئيس الحكومة نواف سلام اتصالاته في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث شدّد، خلال لقائه الأمين العام أنطونيو غوتيريش، على ضرورة استمرار وجود دولي في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، بما يضمن المراقبة والاستقرار ويساعد على بسط سلطة الدولة.

وما يفهم من الوجود الدّولي مرتبط بما حدث في فرنسا الأسبوع الفائت، حيث أفادت المعلومات الديبلوماسيّة الأوروبيّة أنّ الحديث عن تشكيل قوّة عسكريّة مشتركة فرنسية – إيطاليّة يأخذ منحى جدّيًّا. في وقت طالب سلام الجهات الدّوليّة إلى ضرورة الانتقال من أعمال الإغاثة إلى التعافي وإعادة الإعمار. لكنّ لم يعد خافيًا أنّ أيًّا من هذه المطالب سيبقى في دائرة عدم التطبيق بانتظار أن تتحوّل الدّولة اللبنانيّة إلى دولة فعليّة قادرة على تنفيذ قراراتها السياسيّة.

وبالتزامن مع هذا الحراك في نيويورك، برزت رسالة الرئيس الأميركي إلى الرئيس اللبناني التي عبّر فيها ترامب عن تقديره لقيادته للبنان في المرحلة الحالية، وعن التزامه المشترك مع لبنان بـالسلام والأمن والازدهار . فمؤشّرات هذه الرسالة تقرأ في سياق الدّعم السياسي لحضّ الرئيس اللبناني على تصريف هذه الرّسالة في الملفّات الإشكاليّة وأوّلها نزع سلاح منظّمة حزب الله.

وذلك على أعقاب ارتفاع أسعار المحروقات بالتزامن مع تحذيرات من تحركات نقابية وإضرابات، وتصاعد التوتر حول ملف الكهرباء وأداء الحكومة. وهنا تطرح إشكاليّة إمكانيّة استغلال منظّمة حزب الله مطالب النّاس المحقّة للوصول إلى حالة من التّعطيل. هذا الحالة التي لطالما برع فيها يوم كان يسيطر على الساحات كلّها.

إقليميًا، برزت من نيويورك إشارة تفاوضية بين واشنطن وطهران، مع حديث إيراني عن إمكان إعادة فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار عن الموانئ، في مقابل إعلان واشنطن انفتاحها على الحوار. ولا يعني ذلك قرب التوصل إلى اتفاق، لكنه يفتح نافذة اتصال في ظل وجود الطرفين في نيويورك. لكنّ الرئيس الأميركي حدّد بدء هذه المرحلة بعد الانتهاء من الانتخابات النّصفيّة. ما يعني عمليًّا بأنّ الوضع ميدانيًّا في هذه المرحلة سيبقى عرضة لمدى تجاوب إيران مع عمليّة ضبط النّفس التي يحاول الرئيس الأميركي فرضها عليها بانتظار اللحظة المرتقبة بعد الانتخابات.

ولعلّ هذا ما سيدفعها إلى تأجيج الاعتداءات الحوثيّة أكثر لأنّ اليمن اليوم بات المدية الأقوى في الخاصرة الأميركيّة في هذه المرحلة. وهذا ما قد يدفع بالمملكة العربيّة السعوديّة لتفعيل اتّفاقيّة الدّفاع المشترك مع باكستان وتركيا بهدف الانتهاء من هذا الملفّ.

وهكذا يجد لبنان نفسه أمام مسارين متوازيين: مسار دولي يسعى إلى تثبيت سيادة الدولة وحماية الجنوب، ومسار إقليمي قد تعيد أي مفاوضات أميركية ـ إيرانية جديّة تشكيل بيئته. وبينهما يبقى الاقتصاد والواقع المعيشي عاملَي ضغط إضافيين على الداخل اللبناني.

فهل سيستطيع لبنان أن يعبر ما بين العمليّتين الانتخاباتيّتين حتّى الوصول إلى بدء الترتيبات المنيّة الجديدة ما بعد هذه المرحلة؟ أم أنّ الميدان سيسبق هذه الفرصة مرّة جديدة؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك