نظامكم المركزي الفاشل المجرم
الفيدرالية، أقلّه، هي بداية الحل؛ وهي، بالنسبة إلينا، حجر الزاوية في إعادة بناء لبنان على أسس سياسية ودستورية قابلة للحياة. فهي تطرح، من حيث المبدأ، إعادة توزيع واضح للسلطات والمسؤوليات، بما يحدّ من تركّز القرار ويجعل السلطة أقرب إلى المجتمعات التي تتولاها، ويتيح محاسبة المسؤولين بصورة أكثر مباشرة.
خاص بوابة بيروت
نظام الفشل والسرقة والهجرة والفقر والاغتيالات والحروب والوصايات = الخيانات العظمى للشعوب… وأدواته الجاهلة/الغبية/المجرمة… المتواطئة: إلى متى؟
المضحك المبكي أن أحزاباً تدّعي أنها تريد إنقاذ لبنان، وتحاول إقناع المواطنين والمحازبين بأن الخلاص ممكن من داخل المنظومة نفسها، ما زالت تتعامل باحترام مفرط مع نظام مركزي أثبت، على مدى عقود، عجزه عن بناء دولة فاعلة ومستقرة. وبدلاً من مواجهة هذا الواقع ومراجعة الأسس التي أنتجته، تستمر في التعامل مع النظام وكأنه قدر محتوم، وتطلب منه أن ينتج دولةً وهو عاجز عن إنتاجها.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: كيف يمكن لقوى سياسية أن تعرف أن النظام الذي تعمل ضمنه فشل في إنتاج دولة مستقرة وفاعلة، ثم تقدّم للمواطنين ولمناضليها هذا النظام نفسه على أنه الطريق إلى الخلاص؟ إن استمرار هذا النهج يطرح سؤالاً سياسياً لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام عجز سياسي مزمن عن مواجهة أسباب الفشل، أم أمام مصالح تجعل بعض القوى أكثر ارتياحاً إلى التعايش مع المنظومة القائمة؟ وفي الحالتين، النتيجة واحدة: إبقاء اللبنانيين داخل الحلقة نفسها.
أي عبث سياسي أكبر من أن نعرف أن هذا النظام فشل في بناء دولة فاعلة، ثم نصرّ على التعامل معه وكأنه المرجعية التي لا يجوز المساس بها؟ وإذا كانت هذه القوى مقتنعة فعلاً بأن لبنان لا يمكن أن يستمر بهذه الصيغة، فلماذا لا تطرح بوضوح أمام اللبنانيين مشروعاً لإعادة بناء النظام على أسس سياسية ودستورية جديدة؟
بل إن المشكلة، في نظرنا، لا تتوقف عند فشل النظام في إدارة الدولة؛ فالنظام المركزي نفسه قد يصبح بيئة تسمح بإعادة إنتاج الطبقة السياسية ذاتها. فعندما تتركز السلطة والموارد والقرار في مركز واحد، يصبح الوصول إلى هذا المركز هدفاً سياسياً بحد ذاته، وتصبح الزبائنية والمحاصصة وتعطيل المحاسبة أكثر قابلية لإعادة الإنتاج. وهكذا تتحول الدولة من إطار ينظم الشراكة بين مكوّناتها إلى ساحة تتنافس فيها القوى على النفوذ والقرار والموارد.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يحكم، بل بكيفية توزيع السلطة ومنع احتكارها. نحتاج إلى نظام لا يسمح لمجموعة، أياً كانت، بأن تفرض إرادتها على مجموعات أخرى، أو تتعدى على أراضيها وحقوقها وخصوصيتها، أو تصادر قرارها السياسي الحر، أو تحاول إخضاعها لإرادة مركزية لا تعبّر عنها. الدولة القابلة للحياة هي التي تحمي جميع مكوّناتها من تغلّب بعضها على بعض، وتضمن لكل مكوّن حقه في إدارة شؤونه ضمن إطار دستوري واضح، مع احترام وحدة الدولة وسيادتها والحقوق المشتركة لجميع مواطنيها.
الفيدرالية، أقلّه، هي بداية الحل؛ وهي، بالنسبة إلينا، حجر الزاوية في إعادة بناء لبنان على أسس سياسية ودستورية قابلة للحياة. فهي تطرح، من حيث المبدأ، إعادة توزيع واضح للسلطات والمسؤوليات، بما يحدّ من تركّز القرار ويجعل السلطة أقرب إلى المجتمعات التي تتولاها، ويتيح محاسبة المسؤولين بصورة أكثر مباشرة.
والفكرة الأساسية ليست إنشاء نظام يسمح لمكوّن بأن يعزل نفسه عن الآخرين، بل نظام يمنع أي مكوّن من فرض نفسه على الآخرين. نظام يحمي التعددية، ويحفظ حق المجتمعات المختلفة في الوجود والاستمرار وإدارة شؤونها، ويحترم خصوصياتها الديموغرافية والجغرافية والسياسية، ويمنع استخدام مركزية الدولة كأداة لاحتكار القرار أو فرض إرادة طرف على سائر الأطراف.
الخطر ليس في إعادة صياغة النظام، بل في الإصرار على منظومة ونظام أثبتت التجربة عجزهما. والخطر الأكبر هو أن نبقى أسرى لنظام يسمح بتراكم السلطة في مركز واحد، ثم نستغرب كيف تتحول هذه السلطة إلى نفوذ سياسي دائم، وكيف يعاد إنتاج الطبقة السياسية نفسها، وكيف يصبح تغيير الأشخاص أسهل بكثير من تغيير القواعد التي أنتجتهم.
الخطر أيضاً ليس في أن تكون للبنانيين رؤى ومصالح وخصوصيات متعددة؛ فالتعددية حقيقة لبنانية لا يمكن إلغاؤها بالشعارات. الخطر هو في نظام لا يملك الآليات الدستورية الكافية لإدارة هذا التنوع ومنع تحوله إلى صراع على السلطة والوجود والقرار. المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، بل بناء نظام يجعل الاختلاف قابلاً للإدارة، ويمنع تحوله إلى هيمنة أو إقصاء أو اعتداء على حقوق الآخرين.
والأحزاب التي ترفض حتى التفكير جدياً في إعادة النظر في هذه المنظومة، وتصرّ على الدوران داخل الحلقة نفسها، تضع نفسها أمام سؤال جدي حول مسؤوليتها السياسية. عليها أن تواجه أخطاءها، وأن تتحمل مسؤولية خياراتها، وأن تمتلك شجاعة طرح الحلول البنيوية بدلاً من إعادة تدوير الفشل نفسه.
والسؤال الحقيقي لم يعد فقط: إلى متى سيستمر هذا النظام؟ بل: إلى متى يُفترض بمكوّنات هذا البلد أن تقبل بالفقر، وضياع الحقوق، وهجرة أبنائها، وانهيار مؤسساتها، وتآكل قدرتها على اتخاذ قراراتها، قبل أن يُفتح نقاش جدي حول تغيير جذري في هذه المنظومة وهذه الصيغة؟
إن الفيدرالية ليست، بالنسبة إلينا، ترفاً سياسياً ولا شعاراً عابراً. إنها طرح لإعادة تنظيم الدولة على أساس الشراكة وتوزيع السلطة والمسؤولية، بحيث لا تكون قوة الدولة مرادفة لقوة مركز سياسي واحد، ولا تكون وحدة لبنان مرادفة لإلغاء خصوصيات مكوّناته.
والدولة التي نريدها هي دولة تحمي الجميع من الجميع: لا تسمح لمجموعة بأن تتعدى على مجموعة أخرى، ولا تسمح بمصادرة أرض أو قرار أو حق أو وجود، ولا تجعل من المركز السياسي أداة لفرض الإرادة على الأطراف والمجتمعات. دولة تقوم على التوازن، والحقوق، والمحاسبة، والتعددية، واحترام القرار الحر ضمن إطار دستوري واحد.
وإذا كان هذا الخيار غير مقبول، فليكن النقاش صريحاً وشجاعاً حول البدائل الدستورية والسياسية الممكنة. أما الاستمرار في صيغة أثبتت التجربة عجزها، ثم مطالبة اللبنانيين بالصبر والتأقلم مع الفقر والانهيار والهجرة وضياع الحقوق، فلا يمكن أن يكون مشروعاً لبناء دولة.
لبنان يحتاج إلى إعادة بناء قواعد الشراكة نفسها؛ لأن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي إذا بقي النظام الذي يعيد إنتاج المشكلة كما هو.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير