من المراوحة في المجهول إلى التحضير للأسوأ المعلوم
الخطر لم يعد في المجهول نفسه، بل في أن يصبح الواقع المؤقت دائمًا. فإذا بقيت المفاوضات بلا تنفيذ، والقصف بلا تسوية، و السلاح بلا حسم، و اليونيفيل بلا بديل، والاقتصاد بلا معالجة حاسمة، فإنّ لبنان لا يعود أمام أزمة مؤقتة ينتظر حلّها، بل أمام إعادة تشكيل تدريجية للواقع السياسي والأمني على الأرض...
خاص بوابة بيروت
يحاول لبنان، وللمرة الأولى منذ سنوات، أن يجعل الدولة نفسها الطرف المركزي في معادلة التنفيذ، وذلك دحضًا للواقع الأعجز عن تنفيذه. لكن ما لا يريد أطراف السلطة تصديقه هو أنّ لبنان لم يعد يقف أمام مستقبل غامض فحسب؛ بل بدأ ينتقل إلى مرحلة تتبلور فيها معالم السيناريو الأسوأ، من دون أن يعني ذلك حتميّة وقوعه.
خلال الأشهر الماضية، كانت المنافسة بين الميدان والديبلوماسية، وحول مَن قد يسبق مَن، فضلًا عن العمليات الانتظارية بين العمليات التفاوضية من جهة، وما قد يُقدم عليه الإسرائيلي في الميدان من جهة ثانية.
أما اليوم، فالمشهد أكثر وضوحًا وخطورة: لا اتفاق يُنفّذ، والجيش الإسرائيلي يرسّخ واقعًا ميدانيًا في الجنوب، والدليل عمليات التفجير المستمرة، ولا سيما في بلدة المنصوري، التي بيّنت أنّها كانت خط دفاع ثانٍ بعد علي الطاهر، لينتقل الإسرائيلي بعدها إلى بوابة الجبل الجنوبي، أي جزين.
ومن جهة أخرى، واشنطن ترفع سقف مطالبها، والمهلة الزمنية تضيق من خلال اتضاح الرؤى كاملة، حيث باتت مطالب الخارجية الأميركية تتركّز على أنّ الإطار الثلاثي هو المسار الوحيد لسلام دائم بين لبنان وإسرائيل، وأن نزع سلاح حزب الله بند أساسي في الاتفاق الإطاري، وهذا ما لم يُنفّذ بعد.
كما أنّ نشر الجيش اللبناني في الجنوب لا يكفي من دون نزع سلاح حزب الله؛ وعلى لبنان اتخاذ خطوات بشأن نزع السلاح قبل طلب انسحاب إسرائيلي إضافي. واستكمل روبيو مواقفه بدعوة الجيش اللبناني إلى بسط سيطرته جنوبًا ومنع الوجود المسلح لحزب الله، رابطًا أي دعم بالابتعاد عن نفوذ إيران وحزبها.
بينما استكمل اللقاء مع وزير الخزانة سكوت بيسنت بالدعوة إلى تجفيف وقطع مصادر التمويل عن منظمة حزب الله. وبعد ذلك يأتي الحديث عن كل شيء، من ترتيبات أمنية ومساعدات مالية وفرص اقتصادية واستثمارية وما خلا ذلك.
يعني ذلك كلّه أنّ الرئيس سلام استمع، بلهجة مرتفعة، إلى ما لا يستطيع أن يقدّمه للأميركي. فكيف إذًا سيضغط الأميركي على الإسرائيلي لينفّذ ما تريده الدولة اللبنانية؟ وقد تكون نتيجة ذلك مظلّة أميركية واسعة لاستكمال العمليات العسكرية على لبنان قبل الانتخابات الإسرائيلية.
المشكلة الأساسية أنّ المعادلة التي كان يفترض أن تتحرك بالتوازي بدأت تتحول إلى معادلة شروط متبادلة: لبنان يطالب بانسحاب إسرائيلي كامل وبجدول زمني واضح، فيما واشنطن تربط الضغط على إسرائيل بمدى تقدّم لبنان في حصر السلاح بيد الدولة. وبذلك يصبح كل طرف تقريبًا ينتظر من الطرف الآخر أن يبدأ أولًا. فمَن سيجرؤ على البدء أولًا؟ لكنّ الميدان لن ينتظر بعد اليوم نتيجة التفاوض.
وبالتوازي، يقترب لبنان من نهاية مهمة اليونيفيل في 31 كانون الأول، من دون أن تكون حتى الآن هناك صيغة نهائية واضحة للمرحلة التالية. وهذا يعني أنّ لبنان لا يواجه فقط سؤال الانسحاب الإسرائيلي، بل سؤالًا أخطر: مَن يملأ الفراغ الأمني إذا انتهت اليونيفيل ولم تنضج البدائل؟ فلا الدولة قادرة على أن تكون في الجنوب، ولا أي قوة تستطيع أن تنفّذ هذه المهام ما لم تأخذ ضوءًا أخضر أميركيًا. وهذا ما يبدو محالًا حتى الساعة.
عمليًا، ذلك كلّه يعني أنّ الجنوب قد أصبح فعليًا خارج السيادة اللبنانية، ولن يكون تحت أي سلطة أممية، مهما كان المسمّى المطروح لذلك. ولعلّ هذا ما دفع بكاتس الأسبوع الماضي إلى الإعلان عن نية إسرائيل بضمّ الشريط الأصفر. والمفارقة في ذلك كلّه تكمن في السؤال الآتي: متى ستنوي الحكومة اللبنانية استثمار قدرات مؤسساتها التنفيذية؟ وهل لا تزال هذه السلطة تعتقد بأن الغرب، وبالتحديد الأميركي، قد يمنح المزيد من الفرص لمؤسسات صنّفها فاشلة عملًا بالتجارب؟
هذا كلّه انعكس على أداء واشنطن، التي باتت اليوم أقل استعدادًا للتعامل مع الملف اللبناني باعتباره أزمة منفصلة. فالرسالة التي تظهر من الاتصالات الأخيرة هي أنّ حصرية السلاح لم تعد عنوانًا سياسيًا عامًا، بل أصبحت معيارًا لقياس مدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها.
وفي المقابل، لا تظهر حتى الآن ضمانة أميركية علنية بأن الضغط سيؤدي فورًا إلى انسحاب إسرائيلي. لا بل إنّ ذلك يؤكّد المؤكّد، وهو أنّ الساحة فُتحت على مصراعيها. ولم نعد بوارد طرح السؤال: «ماذا سيحدث؟»، بل انتقلنا إلى مرحلة: ما الذي نستطيع فعله إن حدث هذا الأسوأ المرتقب؟
وقد لا يكون هذا الأسوأ المعلوم حربًا شاملة، بل قد يكون استمرار الجرف والقضم وصولًا إلى تثبيت منطقة أمنية إسرائيلية في الجنوب، واستمرار الاستنزاف العسكري لفلول منظمة حزب الله وإيران في لبنان، في ظل سقوط صيغة الاتفاق في المراوحة، وانتهاء اليونيفيل من دون بديل واضح، وتصاعد الضغط على الدولة اللبنانية لتقديم خطوات ملموسة في ملف السلاح. وما بات مؤكّدًا بالعين الأميركية أنّ هذه الخطوات الملموسة مفقودة، يعني أنّ الإسرائيلي سيحظى بتأكيد أميركي للتنفيذ. وهذا هو جوهر التحول.
الخطر لم يعد في المجهول نفسه، بل في أن يصبح الواقع المؤقت دائمًا. فإذا بقيت المفاوضات بلا تنفيذ، والقصف بلا تسوية، والسلاح بلا حسم، واليونيفيل بلا بديل، والاقتصاد بلا معالجة حاسمة، فإنّ لبنان لا يعود أمام أزمة مؤقتة ينتظر حلّها، بل أمام إعادة تشكيل تدريجية للواقع السياسي والأمني على الأرض.
وعندها، هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تسبق التسوية المفروضة بالوقائع، أم أنّ الوقائع ستفرض عليها تسوية بشروط أقسى؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير