الـ40 مليار دولار لإعادة بناء الدولة؟
وهذا لطالما تحدّثنا عنه. إن لم تنجح الدّولة بتقديم "المشروع" للبيئة التي احتضنت منظّمة حزب الله، والتي أمّنت لها هذا الانتفاخ الوهمي بالقوّة نتيجة الترغيب والترهيب بالمال الإيراني، فسنكون أمام مشكلة جوهريّة حول أيّ دولة ستكون في حال حصل هذا السقوط الذي نحذّر منه؟
خاص بوابة بيروت
كلّما يتعثّر المسار المفاوضاتي مع الدّولة يعود إلى الواجهة الحديث عن فتح مسارات تفاوضيّة جانبيّة أميركيّة مع منظّمة حزب الله. وهذه المرّة بحسب ما ورد في تقرير عن رويترز بأنّ مسؤولين في الحكومة السورية وحزب الله عقدوا اجتماعًا سرّيًّا ومباشرًا في تركيا في أوائل أيلول، في أول لقاء معروف من نوعه بين الطرفين. وعندما تقرأ اسم تركيا يتبادر إلى الذّهن فورًا اسم الموفد الأميركي صاحب هذه النّظريّة السفير توم برّاك.
وتكمل المصادر، أنّ الاجتماع تناول التهريب عبر الحدود والقضايا الأمنية. ذلك كلّه في وقت لم تتوقّف فيه الدّعوات الأميركيّة تلميحًا وتصريحًا إلى الرّئيس السّوري للتدخّل بشكل مباشر في لبنان ضدّ حزب الله. على وقع هذه التسريبات سارعت وزارة الاعلام السوريّة إلى نفي هذا اللقاء، بينما وكالة رويترز تمسّكت في المعلومات التي وردت في تقريرها عن اجتماع أنقرة.
وفي المسار ذاته نفت رئاسة دائرة الاتّصالات التّركيّة صحّة ما وصفتها بالادّعاءات حول استضافة جهاز الاستخبارات التّركي اجتماعًا بين مسؤولين في الحكومة السوريّة وحزب الله. تضارب هذه المعلومات ليس بريئًا في هذا التّوقيت بعد الخيبتين الدّيبلوماسيّتين في نيويورك وواشنطن.
ولكن محاولات تبرير هذه االفرضيّة بقدرتها على فتح احتمال بأن تكون الحدود السورية والبيئة الإقليمية للحزب جزءًا من مرحلة التفاوض المقبلة. وهذا ما يمكن قراءته بدور سوري – تركيّ وبمباركة إسرائيليّة – أميركيّة ضمنيّة بتهيئة بيئة موازية لبيئة الدّولة اللبنانيّة بعد فشل التّجربة معها. فإن صحّت هذه الفرضيّات كلّها هذا يعني عمليًّا ضربة قاضية للعهد الذي قام على خطاب قسم “شمعونيّ” الجذور، و “بشيريّ” العزيمة.
حيث لا زالت الحكومة اللبنانيّة تصرّ على عدم تنفيذ قراراتها السياسيّة، للحجج غير المقنعة لا محلّيًّا ولا دوليًّا طبعًا، بعد نيّف وعام من إصدار قراراتها السياديّة. لا بل الأكثر باتت تطالب الطّرف الأميركي بالضّغط على الاسرائيلي للانسحاب المجدوَل، وتتحدّث عن ترتيبات امنيّة مع الاسرائيلي. هذه مؤشّرات تعكس تراجع مسار التفاوض المباشر الذي أطلقه فخامة الرّئيس وسار به قدُمًا.
أمام هذه الوقائع، والتسريبات عن تغييرات حكوميّة، ولا سيّما في وزارة الخارجيّة التي غيّرت وجهة لبنان من الارتهان إلى السيادة، هل يتمّ تمهيد الطريق لإعلان الانسحاب من المفاوضات المباشرة في ظلّ هذه الخطورة الاقتصاديّة التي تضرب لبنان، حيث أقرّت الحكومة موازنة 2027 مع الزيادات (المحقّة) في بدلات النّقل والتعويضات ذات الصّلة لكن لم تعلم المواطنين من أين ستكون مصادر التمويل؟
وإذا كانت السلطة بأركانها غير المعترضة على الأداء الحكومي تعتقد أنّها قد تحصل على مساعدات ما. فهذا ينمّ عن قصور في الرؤى السياسيّة الاستراتيجيّة. فلا فلس سيدخل إلى لبنان قبل الانتهاء كليًّا من موضوع التشارك السيادي ونزع سلاح منظّمة حزب الله الرّافضة أساسًا تسليمه للدّولة تحت أيّ مسمّى كان. وهذا ما يجب أن يسقِط من المفاهيم السياسيّة المتداولة مصطلحات مثل احتواء، أو حصر، أو تسليم السلاح.
فأمين هذه المنظّمة التي تمّ تصنيفها خارج القانون بحسب القوانين اللبنانيّة قد أدلى بدلوه. لذلك، إمّا أن يتمّ نزع السلاح بقدرة مؤسّسات الدّولة التنفيذيّة الفاعلة والقادرة متى أطلقت يدها، وإمّا سيؤدّي ذلك إلى السقوط في المحظور. وبالتالي انتهاء عهد فخامة الرّئيس باكرًا، للبحث عن بدائل دوليّة قادرة على تنفيذ ما يجب تنفيذه ليصبح لبنان دولة طبيعيّة.
وفي السياق برز الحديث عن وثيقة أميركيّة تمّ نسبتها إلى دوائر مجلس الأمن القومي الأميركي اختزلت في روايتين: الأولى أنّها خطّة أميركيّة للقضاء على حزب الله والثانية أنّها برنامج لإعادة الإعمار بقيمة 40 مليار دولار لمدّة خمس سنوات. لكنّ الدّخان لا يتصاعد من أميركا من دون أيّ نار. تمامًا كتقرير رويترز. فعلى ما يبدو أنّ التفكير الجدّي بإعادة تشكيل الدّولة اللبنانيّة سيطرح في المرحلة القادمة ومن البوابة الدوليّة، والأميركيّة بالتحديد.
وعلى ما يبدو أنّ الطائف والقرارين 1559 و1701 ستكون المرتكزات الثلاثة لإعادة البناء على قاعدة حصرية السلاح، وبسط سلطة الدولة، وتعزيز الجيش، وقيام سلطة واحدة على كامل الأراضي. الجديد المحتمل، إذا صحّت الوثيقة، هو انتقال المقاربة من معالجة مشكلة السلاح خارج الدولة إلى معالجة البيئة التي جعلت وجود هذا السلاح ممكنًا أصلًا، عبر بناء دولة قادرة على توفير الأمن والخدمات والإعمار والشرعية.
وهذا لطالما تحدّثنا عنه. إن لم تنجح الدّولة بتقديم ” المشروع” للبيئة التي احتضنت المنظّمة، والتي أمّنت لها هذا الانتفاخ الوهمي بالقوّة نتيجة الترغيب والترهيب بالمال الإيراني، فسنكون أمام مشكلة جوهريّة حول أيّ دولة ستكون في حال حصل هذا السقوط الذي نحذّر منه؟ وعندها هل يستطيع لبنان تحويل أي دعم دولي لإعادة بناء الدولة إلى مشروع سيادي لبناني، أم أن عجز الداخل سيجعل إعادة بناء الدولة نفسها مشروعًا يُدار من الخارج؟
والاسرائيلي مستمرّ في عمليّاته العسكريّة على قاعدة القضم البطيء والتكتي تمهيدًا لتحقيق الأهداف الاستراتيجيّة الكبرى وذلك عبر تموضع جديد وتثبيت أوراق تفاوضيّة ميدانيّة. والمغالاة في التفسيرات التي توالت حول خروج لواء غولاني ولواءين من الساحة ليس إلّا مجرّد تغيير تكتي في الساحة العسكريّة. ولا تزال تصرّ إسرائيل وواشنطن معها على رؤية خطوات لبنانية أكثر وضوحًا في ملف السلاح قبل تقديم تنازلات ميدانية كبيرة.
وعلى ما يبدو أنّها لن تقدَّم. حذارِ من ذلك كلّه لأنّ هذا ما قد يعزّز الفرضيّات التي طرحناها آنفًا.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير