“الجبرانات” الذين صنعوا للبنان اسمًا… وجبران آخر

لم يحتج إلى منصب، ولا إلى سلطة، ولا إلى جمهور يهتف باسمه. احتاج إلى قلم. وكان القلم كافيًا ليضع اسم لبنان على رفوف مكتبات العالم.

خاص بوابة بيروت

ثمة أسماءٌ يحملها أصحابها، وثمة رجال يحملون أسماءهم إلى أبعد من شهادة الولادة، فيضيفون إليها من علمهم وإبداعهم وشجاعتهم حتى يصبح الاسم، بفضلهم، جزءًا من ذاكرة وطن. وفي لبنان، يبدو أن اسم «جبران» كان محظوظًا بأصحابه. تعاقب «جبرانات» لبنانيون على أجيال وميادين مختلفة. لم تجمع بينهم عائلة، ولا مهنة، ولا اتجاه واحد. جمع بينهم اسمٌ أول، وشيء آخر أهم: أن كل واحد منهم ترك، بطريقته، شيئًا للبنان.

جبران خليل جبران… حين حمل لبنان إلى العالم

يتقدّمهم، بالطبع، جبران خليل جبران. ابن بشرّي الذي غادر لبنان، لكنه حمله معه أينما ذهب. أديب وشاعر ورسام، كتب بالعربية والإنكليزية، وكان من أعلام أدب المهجر ومؤسسي الرابطة القلمية في نيويورك. ثم كتب «النبي». ومنذ صدوره بالإنكليزية عام 1923، خرج الكتاب من حدود الأدب اللبناني والعربي إلى العالمية، وانتقل عبر اللغات والثقافات، ليصبح جبران واحدًا من أشهر الأسماء اللبنانية في العالم. لم يحتج إلى منصب، ولا إلى سلطة، ولا إلى جمهور يهتف باسمه. احتاج إلى قلم. وكان القلم كافيًا ليضع اسم لبنان على رفوف مكتبات العالم.

جبران تويني… حين صار الاسم «نهارًا»

ثم كان جبران أندراوس تويني. صحافي وكاتب وسياسي، تنقّل بين باريس ومصر وبيروت، قبل أن يؤسس عام 1933 جريدة «النهار»، التي بدأت بإمكانات متواضعة ثم تحولت إلى واحدة من أبرز المؤسسات في تاريخ الصحافة اللبنانية والعربية. لم يترك جبران تويني مقالًا فقط. ترك مؤسسة. ومن بعده، صار اسم «النهار» جزءًا من تاريخ بيروت، وصارت الصحافة اللبنانية واحدة من النوافذ التي أطلّ منها لبنان على العالم العربي.

وجبران تويني آخر… دفع حياته ثمنًا لكلمته

وبعد عقود، عاد الاسم نفسه مع الحفيد، جبران غسان تويني. صحافي وناشر ونائب، جعل من الصحافة موقفًا، ومن الموقف مواجهة. ارتبط اسمه بمرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ لبنان، وبالدفاع عن حرية الصحافة والسيادة والاستقلال. وفي 12 كانون الأول 2005، اغتيل جبران تويني. قد يختلف اللبنانيون، وسيبقون يختلفون، في السياسة. لكن يصعب فصل اسمه عن تاريخ الصحافة اللبنانية وعن الثمن الذي قد يدفعه صاحب الكلمة عندما تتحول الكلمة إلى موقف.

جبران طرزي… حين تكلم لبنان بالألوان

وبعيدًا عن صخب السياسة، هناك جبران طرزي. فنان وكاتب وحرفي لبناني، أخذ من التراث المشرقي هندسته وزخرفته وذاكرته، وصنع منها لغة تشكيلية حديثة. رسم وكتب وصمّم، ووصلت أعماله إلى مجموعات فنية ومتحفية، وبقيت تجربته مثالًا على محاولة المصالحة بين الحداثة والهوية. كان ذلك «جبران» آخر يضيف إلى لبنان لوحة.

جبران يعقوب… حارس ذاكرة الحجر

وثمة اسم أقل شهرة لدى الجمهور، لكنه يستحق مكانه، المهندس جبران يعقوب. كرّس سنوات طويلة لتوثيق تاريخ العمارة اللبنانية، وأنجز «معجم الهندسة المعمارية في لبنان» في أكثر من ألف صفحة وبثلاث لغات، موثقًا سير المهندسين والأبنية والمدن والتحولات العمرانية التي عرفها لبنان. هناك من يبني حجرًا. وهناك من يحفظ ذاكرة الحجر. وجبران يعقوب فعل الثانية.

جبران كرم… من لبنان إلى العلم والهندسة

وفي الجامعة والبحث العلمي، هناك الدكتور جبران كرم، خريج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، والأستاذ في الهندسة المدنية، والمتخصص في هندسة المنشآت والمواد. جمع في مسيرته بين البحث والتعليم والعمل الهندسي، وشارك في أبحاث تتصل بالسلامة الإنشائية والمخاطر الزلزالية، مضيفًا اسم «جبران» هذه المرة إلى عالم المختبر والجامعة والهندسة. وهكذا، من الأدب إلى الصحافة، ومن الفن إلى العمارة والعلم، كان لكل «جبران» شيء يضعه في رصيد لبنان: كتاب. صحيفة. كلمة. لوحة. معجم. علم.

ثم جاء جبران آخر

هنا تتغيّر الحكاية. وهنا تكتمل مفارقة الاسم:
جبران خليل جبران ترك «النبي».
جبران تويني ترك «النهار».
جبران طرزي ترك لوحاته.
جبران يعقوب ترك ذاكرة العمارة.
وجبران كرم ترك علمًا وأبحاثًا.
أما جبران باسيل، فيترك أمام مؤرّخ تجربته السياسية أرشيفًا يحتاج إلى رزنامة. فمعه لا يكفي أن تسأل: ماذا قال؟ عليك أن تسأل أيضًا: متى قاله؟ وأيُّ جبران كان يومها؟ ولعلّ أقسى ما يمكن أن يفعله الزمن بالسياسي المتقلّب المتلون أنه لا يحتاج إلى خصم كي يحاسبه.
هكذا صنع «الجبرانات» للبنان اسمًا… ثم جاء جبران آخر، شوّه كل من سبق.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك