عندما يصبح «المعجّل المكرّر» سريعاً… وتبقى حقوق الناس مؤجّلة!
أين كانت صفة «المعجّل المكرّر» عندما أصبح العسكري والمتقاعد عاجزاً عن تأمين الدواء والاستشفاء؟ وأين هي العجلة نفسها في إقرار ضمان الشيخوخة، الذي ينتظره اللبناني منذ عقود؟
خاص بوابة بيروت
في لبنان، تتسارع الأحداث والملفات إلى درجة تكاد تُضيّع على المواطن البوصلة. وكلما حاول أن يفهم ملفاً، ظهر آخر أكثر إلحاحاً… وكأن المواطن مطلوب منه أن ينشغل دائماً بـ ماذا حدث؟ بدل أن يسأل: لماذا يحدث؟ ولمن تكون الأولوية؟
واليوم، أمامنا مرسوم رسمي يستحق التوقف عنده.
فقد صدر المرسوم رقم 3904، القاضي بإحالة مشروع قانون إلى مجلس النواب بصفة «معجّل مكرّر»، يرمي إلى استفادة الرؤساء الروحيين للطوائف الإسلامية الأربع في لبنان من معاشات تقاعدية.
وهنا نسأل، بكل احترام للمقامات الروحية:
أين كانت هذه السرعة عندما سُحقت حقوق الموظفين والمتقاعدين؟
أين كانت صفة «المعجّل المكرّر» عندما أصبح العسكري والمتقاعد عاجزاً عن تأمين الدواء والاستشفاء؟
وأين هي العجلة نفسها في إقرار ضمان الشيخوخة، الذي ينتظره اللبناني منذ عقود؟
نحن لا نعترض على حق قانوني لأي فئة، ولا على احترامنا للرؤساء الروحيين ومكانتهم.
لكننا نعترض على اختلال ترتيب الأولويات.
ولا يمكن تجاهل أن المرجعيات الدينية تتمتع أصلاً بمخصصات وموارد وإعفاءات من بعض الرسوم والضرائب، فضلاً عن إمكانات ومصادر مختلفة، ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً:
هل الأولوية اليوم لإضافة معاشات وتعويضات جديدة، أم لتوجيه أموال الخزينة إلى من لا يملك مورداً آخر؟
فإذا كانت الدولة قادرة على تحريك ملف معاشات تقاعدية جديدة بصفة «معجّل مكرّر»، فلماذا لا تتحرك بالسرعة نفسها لحماية من أفنى عمره في خدمة الدولة، أو تأمين الطبابة لعسكري، أو إنقاذ مسنّ يقف على باب مستشفى ولا يملك ثمن دوائه؟
وهنا، نذكّر بكل احترام أصحاب المقامات الروحية بأن التاريخ الديني لم يخلّد رجاله بما حصلوا عليه، بل بما قدّموه من إيثار وتجرد وخدمة للناس.
أين نحن من الخليفة عمر بن الخطاب، الذي كان يرى أن الحاكم لا يجوز أن ينعم بما لا ينعم به الناس في زمن الشدة؟
وأين نحن من القديس شربل والقديسة ريتا وسائر القديسين والأولياء الذين جعلوا من الزهد والتضحية والخدمة عنواناً لرسالتهم؟
اليوم، المواطن لا يطلب مكرمة… بل يطلب حقاً.
والمرجعية الروحية، في وجدان الناس، يفترض أن تكون صوت المحتاج قبل أن تكون صاحبة امتياز.
المشكلة في لبنان ليست دائماً في قلة المال، بل في كيفية ترتيب الأولويات، ومن يحظى بالأولوية عندما يُقال إن المال غير متوافر.
فالمواطن يرى حقوقه مؤجلة، وقدرته الشرائية تتآكل، وشيخوخته بلا ضمان، واستشفاءه مهدداً… ثم يرى في المقابل أن بعض الملفات تستطيع أن تسلك طريق «المعجّل المكرّر».
وهنا السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط زحمة الأحداث:
إذا كانت الدولة تستطيع أن تُسرّع بعض الحقوق… فلماذا لا تُسرّع حقوق الناس جميعاً؟
فالكرامة لا تتجزأ، والعدالة لا تكون بامتيازات لفئة وحرمان فئة أخرى.
والوطن لا يُبنى بالمكرمات… بل بدولة يشعر فيها المواطن أن حقه لا يحتاج إلى واسطة، ولا إلى نفوذ، ولا إلى «معجّل مكرّر».
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير