من يدفع ثمن انهيار لبنان … ومن يخرج بلا حساب؟
التشريع الذي يفترض أن يحدّد كيفية توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية والمودعين، فلا يزال غير مُقرّ، وفق تقرير نشرته رويترز في الثامن والعشرين من أيلول. هنا تقع القضية التي ينبغي أن تتصدّر النقاش الوطني: توزيع الخسائر ليس مسألة محاسبية محايدة، بل قرار يحدّد من سيتحمّل كلفة الماضي، ومن ستُتاح له فرصة البدء من جديد.
خاص بوابة بيروت
من يدفع الثمن يملك الحقّ في معرفة السبب، ومن يتّخذ القرار لا يملك الحقّ في الخروج بلا حساب.
قبل أن تُوزَّع الخسائر، يجب أن تُكشف الحقيقة التي قامت عليها. فمن يدفع الثمن يملك الحقّ في معرفة السبب، ومن يتّخذ القرار لا يملك الحقّ في الخروج بلا حساب. فعبارة «الجميع سيتحمّل» لا تكفي.
قبل أن تطلب الدولة اللبنانية من مواطنيها الثقة بخطة إنقاذ جديدة، عليها أن تجيب عن سؤال لم يعد يحتمل التأجيل: من سيدفع ثمن الانهيار، وعلى أي أساس؟ فالمشكلة لا تنتهي بإقرار قانون، ولا تُحلّ بمجرد الوصول إلى اتفاق مع جهة دولية. المشكلة تبدأ عندما تتحوّل خسائر المؤسسات إلى أعباء على الناس، بينما تبقى المسؤوليات غامضة، ويُطلب ممن فقدوا الوصول إلى أموالهم أن يتعاملوا مع حقوقهم كأنها مطالب قابلة للتفاوض إلى ما لا نهاية.
تكتسب هذه المسألة إلحاحاً إضافياً في ضوء موقف صندوق النقد الدولي في الأول من تشرين الأول 2026، حين شدّد على ضرورة استكمال إصلاحات اقتصادية ومصرفية أساسية للوصول إلى برنامج جديد مع لبنان، بما فيها التشريعات المتعلقة بمعالجة المصارف والفجوة المالية. ويأتي ذلك بالتزامن مع إحالة قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي إلى المجلس الدستوري لمراجعته. هذه الوقائع تضع مسار الإصلاح أمام اختبار جديد، لكنها لا تعفي الدولة من شرح الخيارات المطروحة وآثارها على المواطنين.
أما التشريع الذي يفترض أن يحدّد كيفية توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية والمودعين، فلا يزال غير مُقرّ، وفق تقرير نشرته رويترز في الثامن والعشرين من أيلول. هنا تقع القضية التي ينبغي أن تتصدّر النقاش الوطني: توزيع الخسائر ليس مسألة محاسبية محايدة، بل قرار يحدّد من سيتحمّل كلفة الماضي، ومن ستُتاح له فرصة البدء من جديد.
لا يجوز اختزال المودع في رقم داخل جدول مالي. وراء كل حساب سنوات عمل، أو تعويض نهاية خدمة، أو مدّخرات عائلة، أو احتياجات علاج وتعليم. وعندما تُناقَش إمكانية تحميله جزءاً من الخسائر، يجب أن يُطرح السؤال كاملاً: ما الخيارات البديلة التي دُرست؟ وما الذي ستتحمّله المؤسسات وأصحاب رأس المال؟ وكيف ستُحمى المدّخرات الصغيرة؟ وما الضمانات التي تمنع تحوّل الحلّ المؤقت إلى حرمان دائم؟ إن استعمال لغة تقنية لا يُلغي الأثر الإنساني للقرار، ولا يمنح صانعيه حقّ إخفائه عن أصحاب الحقوق.
مع ذلك، فإن الدفاع عن المودعين يتطلّب أيضاً الصراحة معهم. لا تُستعاد الأموال بالخطابات، ولا يمكن لخطة جديّة أن تَعُد الجميع باسترداد فوري وكامل من دون أن تحدّد مصادر التمويل وقدرة الاقتصاد على تحمّلها. لكن الصراحة لا تعني مطالبة المواطن بالتسليم بالخسارة قبل الكشف عن حقيقة الحسابات. المطلوب ميزانيات موثوقة، وتقييم مستقل للأصول والالتزامات، وافتراضات منشورة، وشرح واضح لما يمكن استرداده ومتى. وبين الوعد المستحيل والاستسلام المفروض، تقع مسؤولية الدولة في تقديم حلّ قابل للتنفيذ والفحص والمساءلة.
ويجب هنا التمييز بين توزيع الخسائر المالية وتحديد المسؤولية القانونية. فإعادة هيكلة مؤسسة متعثّرة قد تكون ضرورة اقتصادية، لكنها لا تجيب وحدها عمّا إذا كانت مخالفات قد ارتُكبت، ومن ارتكبها، وما الأموال التي يمكن استعادتها عبر القضاء. وفي المقابل، لا ينبغي أن يصبح انتظار الأحكام النهائية ذريعة لتعطيل كل معالجة مالية. يمكن السير في المسارين معاً: إصلاح يسمح باستعادة النشاط وحماية الحقوق، وتحقيقات مستقلة تحدّد المسؤوليات وفق الأدلة. إنقاذ الاقتصاد لا يستوجب إقفال باب المحاسبة.
لهذا السبب، فإن أي خطة تُحمّل المواطن كلفة واضحة، بينما تترك التزامات المؤسسات مفتوحة أو مبهمة، تستحقّ الاعتراض. من حقّ اللبنانيين أن يعرفوا مقدار مساهمة الدولة، وكيف ستموّلها، وما أثرها على الخدمات العامة والأجيال المقبلة. ومن حقّهم أن يعرفوا كيف ستُقيَّم قدرة كل مصرف، وكيف ستُحدَّد مساهمة مساهميه، وما المعايير التي ستفصل بين مؤسسة قابلة للاستمرار وأخرى تستوجب معالجة مختلفة. لا تكفي عبارة «الجميع سيتحمّل». العدالة تُقاس بالتفاصيل، وبقدرة أصحاب النفوذ على الخضوع للقواعد نفسها التي تُطبَّق على الآخرين.
والشفافية المطلوبة لا تتحقّق بنشر مشروع قانون طويل وحده. على الحكومة أن تقدّم إلى جانبه شرحاً مفهوماً يجيب عن أسئلة الناس: ماذا سيحدث لوديعة صغيرة؟ ماذا سيحدث لحساب تقاعد؟ كيف ستُعامل العملات المختلفة؟ ما آجال الاسترداد؟ وأين يستطيع المواطن الاعتراض إذا اعتبر أن حقّه انتُقص؟ كما ينبغي نشر أثر السيناريوهات البديلة، حتى يعرف اللبنانيون لماذا اختير مسار معيّن، وما كلفته مقارنة بغيره. حين تكون القرارات بهذه الخطورة، يصبح الفهم العام جزءاً من شرعيتها.
أما مجلس النواب، فمسؤوليته تتجاوز إقرار النصوص إلى مساءلة الافتراضات التي تقوم عليها. عليه أن يطلب الأرقام، ويختبر مصادر التمويل، ويفحص الضمانات، ويشرح للناس النتائج المتوقّعة. وبالمثل، يجب أن تُناقَش المراجعة الدستورية من خلال أسبابها ومآلاتها القانونية؛ فلا يُعدّ الاعتراض على قانون دليلاً تلقائياً على تعطيل الإصلاح، ولا تصبح صفة «إصلاحي» حصانة تمنع نقد مضمونه. المعيار هو جودة النص، وعدالته، وقابليته للتنفيذ، ومدى احترامه للحقوق.
لبنان يحتاج إلى قطاع مصرفي يستطيع تمويل الاقتصاد وإعادة بناء الثقة، وهذا موضوع متشعّب لن نتطرق اليه اليوم. لكن الثقة لن تعود بمجرد الإعلان أن الأزمة انتهت، فيما لا يعرف المواطن ماذا بقي من حقّه. وستبقى ناقصة إذا شعر الناس بأن القواعد صُمّمت لتمنح المؤسسات بداية جديدة، بينما تتركهم أسرى خسائرهم. الإصلاح الذي يصمد هو الذي يستطيع المسؤولون شرحه علناً، والدفاع عن أرقامه، والخضوع للمحاسبة على نتائجه.
السؤال اليوم يتعلّق بطبيعة الدولة التي نريد الخروج بها من الانهيار. هل ستكون دولة تنشر حساباتها، وتحدّد التزاماتها، وتحمي الضعفاء، وتلاحق المخالفات حيث تثبت؟ أم دولة تكتفي بإعطاء الأزمة اسماً قانونياً جديداً وتطلب من الناس التأقلم معها؟ قبل أن تُوزَّع الخسائر، يجب أن تُكشف الحقيقة التي قامت عليها. وقبل أن يُطلب من اللبناني أن يقبل التضحية، يجب أن يرى التزاماً واضحاً من المؤسسات التي تدير مصيره. فمن يدفع الثمن يملك الحقّ في معرفة السبب، ومن يتّخذ القرار لا يملك الحقّ في الخروج بلا حساب.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير