أزمة الكهرباء في لبنان قابلة للحل والمطلوب الان هو التحرّك

لا يمكن للبنان تجاهل إمكانات إنتاج الكهرباء باستخدام الغاز. ويشكّل تعيين مؤسسة التمويل الدولية "IFC" مستشاراً للمعاملات لدعم خطط لبنان في هذا المجال خطوة مهمة في استكشاف كيفية الاستفادة من الاستثمار الخاص لتلبية احتياجات البلاد من الكهرباء...

خاص بوابة بيروت

لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مجرد مشكلة في البنية التحتية، بل أصبحت عائقاً أساسياً أمام التعافي الاقتصادي، واستمرار الأعمال، والحياة اليومية للمواطنين. فمنذ سنوات، تضطر المنازل والمؤسسات إلى الاعتماد على بدائل مكلفة لتأمين الكهرباء، فيما يواصل انقطاع التيار وعدم استقراره تقويض الإنتاجية، وإضعاف فرص الاستثمار، وزعزعة الثقة بمستقبل البلاد.

الحلول ليست بعيدة المنال، ولا تتجاوز قدرات لبنان وإمكاناته. ما ينقص هو استراتيجية وطنية واضحة، وإرادة سياسية لتنفيذها، والتزام بالانتقال من النقاشات المتكررة إلى مشاريع فعلية تحقق نتائج ملموسة.

يحتاج لبنان إلى زيادة قدرته على إنتاج الكهرباء، وهذا يتطلب اعتماد مزيج متنوع من مصادر الطاقة. فالطاقة الشمسية وطاقة الرياح قادرتان على أداء دور مهم، إلى جانب محطات حديثة تعمل بالغاز وتقنيات أخرى تتناسب مع احتياجات البلاد وإمكاناتها. ولا يمكن لأي مصدر واحد أن يحل الأزمة بمفرده. المطلوب هو تحديد الخيارات الأكثر جدوى، وتقييم تكلفتها ومتطلبات تنفيذها، ووضع خطة واقعية يمكن تطبيقها على مراحل.

لقد أثبتت الطاقة المتجددة قدرتها على المساهمة في تلبية احتياجات لبنان، ولا سيما مع انتشار أنظمة الطاقة الشمسية. لكن بناء قطاع كهرباء مستدام يتطلب أكثر من حلول منفردة. فهو يحتاج إلى إنتاج موثوق، وقدرات كافية، وشبكات نقل وتوزيع فعّالة، ونظام قادر على تلبية الطلب على الكهرباء على مدار اليوم وفي مختلف الفصول.

وتبرز أيضاً إمكانية تحويل النفايات إلى طاقة، باعتبارها خياراً يستحق الدراسة، ولا سيما أنه قد يوفر حلولاً عملية على المستوى المحلي. فباستخدام التقنيات المناسبة، ومع الالتزام بالمعايير البيئية ووضع آلية تجارية واضحة، يمكن الاستفادة من أنواع محددة من النفايات لإنتاج الكهرباء، بالتوازي مع معالجة واحدة من أكثر المشكلات المزمنة في لبنان، وهي إدارة النفايات.

وبدلاً من انتظار حل وطني شامل قد يستغرق سنوات، يستطيع لبنان البدء بمشاريع تجريبية في عدد من المناطق المختارة. وتتيح هذه المشاريع اختبار التقنيات المستخدمة، وتقييم تكلفتها وفوائدها، والتحقق من قدرتها على توفير الكهرباء بصورة موثوقة وتحسين إدارة النفايات في الوقت نفسه. وإذا أثبتت التجربة نجاحها، يمكن توسيع نطاقها تدريجياً لتشمل مناطق أخرى.

ومن شأن هذا التوجه أن يعالج تحديين أساسيين في آن واحد، الحاجة إلى زيادة إنتاج الكهرباء، والضغط المتزايد على منظومة إدارة النفايات. وبطبيعة الحال، يتطلب ذلك دراسات جدوى دقيقة، وضوابط بيئية صارمة، وتقييماً واقعياً لكميات النفايات المتاحة وطبيعتها. لكنه قد يشكل نقطة انطلاق عملية نحو حلول أوسع نطاقاً.

وفي المقابل، لا يمكن للبنان تجاهل إمكانات إنتاج الكهرباء باستخدام الغاز. ويشكّل تعيين مؤسسة التمويل الدولية (IFC) مستشاراً للمعاملات لدعم خطط لبنان في هذا المجال خطوة مهمة في استكشاف كيفية الاستفادة من الاستثمار الخاص لتلبية احتياجات البلاد من الكهرباء. وتشمل الخطط المطروحة منشأة عائمة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، وتحديث محطة دير عمار الأولى القائمة بقدرة 465 ميغاواط، وتطوير محطة دير عمار الثانية المقترحة بقدرة 825 ميغاواط، تعمل بتقنية التوربينات الغازية ذات الدورة المركبة.

وتتطلب مشاريع بهذا الحجم تخطيطاً دقيقاً، وترتيبات تجارية واضحة، وبيئة تنظيمية تمنح المستثمرين الثقة. ويمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص، ونماذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، أن توفر إطاراً لاستقطاب التمويل والخبرات من القطاع الخاص، مع الحفاظ على المصلحة العامة. غير أن نجاح هذه النماذج يبقى مرتبطاً بتحديد المسؤوليات بوضوح، واعتماد مناقصات شفافة، ووضع شروط قانونية وتجارية متوازنة وقابلة للتطبيق.

وتملك شركات دولية، بينها شركات أوروبية وأميركية، الخبرات الفنية والتجارب اللازمة للمساهمة في تنفيذ مشاريع من هذا النوع. كما تستطيع مؤسسات التمويل الدولية أن تؤدي دوراً مهماً في إعداد المشاريع وهيكلتها، وتقييم المخاطر، والمساعدة في استقطاب الاستثمارات. وقد شهدت السنوات الماضية نقاشات واتصالات مع شركاء دوليين، بما في ذلك خلال عهد حكومات سابقة. لكن التحدي اليوم يتمثل في تحويل هذه النقاشات إلى التزامات واضحة ومشاريع تدخل حيّز التنفيذ.

مع ذلك، لن يكون الاستثمار وحده كافياً لحل الأزمة. إذ يتعين على لبنان إرساء إطار قانوني وتنظيمي موثوق، وضمان شفافية المناقصات، وتوفير آليات سداد منتظمة، وتعزيز الحوكمة في مؤسسة كهرباء لبنان. كما يجب معالجة الهدر التقني والتجاري، وتحسين تحصيل الفواتير، والاستثمار في شبكات النقل والتوزيع اللازمة لإيصال الكهرباء بكفاءة إلى المستهلكين.

هذه المسائل ليست تفاصيل ثانوية، بل شروط أساسية لنجاح أي مشروع جديد لإنتاج الكهرباء. فبناء محطات إضافية من دون معالجة مكامن الخلل في منظومة الكهرباء ككل سيترك جزءاً كبيراً من المشكلة من دون حل. لذلك، يجب التعامل مع الإنتاج والبنية التحتية والحوكمة والاستدامة المالية باعتبارها عناصر مترابطة ضمن تحدٍّ وطني واحد.

لا يحتاج لبنان إلى الاختيار بين الطاقة المتجددة والطاقة التقليدية، ولا بين مسؤولية الدولة والاستثمار الخاص. ما يحتاج إليه هو الجمع بين هذه العناصر ضمن برنامج وطني متكامل، والأهم من ذلك، البدء بتحقيق النتائج.

لقد سئم اللبنانيون الوعود الفارغة، وملّوا مشاهدة القوى والأحزاب السياسية تتبادل الاتهامات وتلقي المسؤولية بعضها على بعض، فيما يستمر المواطنون في المعاناة من غياب خدمة أساسية يفترض أن تكون متاحة للجميع. ما يحتاج إليه الناس اليوم هو حلول فعلية، لا جولة جديدة من السجالات السياسية.

والطريق إلى الأمام يبدأ بمشروع قابل للتنفيذ، ولو كان محدود النطاق، لإثبات نجاحه والبناء على نتائجه. سواء كان ذلك من خلال تحويل النفايات إلى طاقة، أو التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، أو تطوير محطات حديثة تعمل بالغاز، فإن الأولوية يجب أن تكون لتحويل الخطط إلى مشاريع تحقق نتائج قابلة للقياس.

ومع اتخاذ القرارات السياسية المناسبة، ووضع إطار واضح للتنفيذ، وتأمين التمويل اللازم، يمكن أن تُنجز بعض المشاريع خلال فترة قد لا تتجاوز عامين. ويظل هذا الإطار الزمني مرتبطاً بطبيعة المشروع ومدى جاهزيته، واستكمال الموافقات المطلوبة، وتوافر التمويل، ومتطلبات البنية التحتية. لكنه يؤكد أن استمرار التأجيل ليس قدراً محتوماً، وأن اتخاذ القرار اليوم يمكن أن يختصر سنوات من الانتظار.

يمتلك لبنان الخبرات، وتتوفر أمامه حلول متعددة، كما يستطيع الاستفادة من شركاء دوليين لديهم القدرة على دعم الاستثمارات المطلوبة. ما ينقصه اليوم هو الإرادة السياسية لتجاوز التعقيدات البيروقراطية، والخروج من دوامة تبادل الاتهامات، ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة.

لقد انتظر اللبنانيون طويلاً. وحان الوقت لأن يتوقف البلد عن الجدل حول إمكانية حل أزمة الكهرباء، وأن يبدأ بإثبات أن الحل ممكن بالفعل.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك