بانوراما من فرنسا إلى لبنان وتامبا

يبدو أن الحكومة اللبنانية تواجه اختبارًا حاسمًا لقدرتها على تنفيذ قراراتها السيادية، ولا سيما القرارات التي اتخذتها في جلسة السابع من آب من العام الماضي. فلا يمكن لدولة أن تحافظ على هيبتها فيما تتعرض مؤسساتها للتهديد من تنظيم مسلّح خارج سلطتها، ثم تكتفي بالمواقف السياسية من دون اتخاذ خطوات تنفيذية واضحة...

خاص بوابة بيروت

فرنسا تحترق بنار الثورة التي حملت شعارها في ثالوث: الحرّيّة والمساواة والأخوّة. الذي أطلقته منذ 237 سنة. والرئيس ترامب يصرّح أنّ ” فرنسا تحترق! إنّ هجرة أشخاص من عالم مختلف تمامًا، أشخاص يحملون الكراهية في قلوبهم، حطّمت ذلك البلد الذي كان عظيمًا يومًا ما”. وأضاف: “أغلقوا حدودكم وأحكموا السيطرة، قبل فوات الأوان” !

وسبق ذلك أن سخر ترامب، خلال تجمع انتخابي، من الاحتجاجات الفرنسية، مازحًا بشأن الذهاب إلى فرنسا والانضمام إلى ” الثورة”.

السقطة الأوروبية وتداعياتها

هكذا تكون السقطة الأوروبيّة كبيرة جدًّا في ما ظنّته أوروبا يومًا ما أنّه تحرّر من القيم الدينيّة تحت ذريعة الحرّيّة الانسانيّة. فسقط الإنسان فيها لأنّ القيم الروحية قد انتُزِعَت من الحياة تحت ذريعة العلمنة والتحرر وهيمنة اليسار الغوغائي، والأصولية الاسلامية، والايديولوجيا الوُوْكِيّة (Woke Ideology) أي توجّه فكري واجتماعي يركّز على قضايا التمييز والهوية والتنوع والجندرة والمثليّة، غير أنّ منتقديه يرون أنّه تجاوز الدفاع عن المساواة إلى فرض تصوّرات أيديولوجية حول المجتمع والثقافة وحرية التعبير. فبالتّالي ما يحصل اليوم هو النتيجة.

وهذا ما سيترك تداعيات في العالم كلّه لأنّ الصراع اليوم أصبح بين قوّتين كبريين: اليسار ومعه كلّ الحركات الأصوليّة والإرهابيّة مقابل اليمين والمحافظين الجدد. وانعكاسات هذه الحرب الجديدة ستطال منطقة الشرق الأوسط من باب القضاء بشكل نهائي على أيّ شكل من أشكال الإسلام السياسي، وكلّ مَن يرفض حقّ الوجود لأيّ شعب في العالم.

حتّى لبنان سيتأثّر

لبنانيًّا، برزت ثلاثة تطورات مترابطةمن حيث البدء بالتحضير لاجتماع لبناني – إسرائيلي برعاية أميركية في تامبا في ولاية فلوريدا، والتحرك الفرنسي لتفادي فراغ أمني في الجنوب مع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل، والجهود القطرية لتفعيل مشاريع اقتصادية وطاقوية يمكن أن تساعد لبنان على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها.

مقابل ذلك يبدو أن الحكومة اللبنانية تواجه اختبارًا حاسمًا لقدرتها على تنفيذ قراراتها السيادية، ولا سيما القرارات التي اتخذتها في جلسة السابع من آب من العام الماضي. فلا يمكن لدولة أن تحافظ على هيبتها فيما تتعرض مؤسساتها للتهديد من تنظيم مسلّح خارج سلطتها، ثم تكتفي بالمواقف السياسية من دون اتخاذ خطوات تنفيذية واضحة. فالمسألة لم تعد تتعلق بإعلان القرارات، بل بمدى استعداد الحكومة لتحويلها إلى واقع عملي، بما يضمن حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة.

بين الاحتلال الإسرائيلي واحتلال السيادة اللبنانيّة: أيّهما الأخطر؟

يواجه لبنان خطرين متوازيين: الاحتلال الإسرائيلي من جهة، ومصادرة القرار السيادي اللبناني بفعل ارتباط حزب الله بإيران من جهة أخرى. بمعنى آخر، هذا احتلال للسيادة اللبنانيّة من قبل منظّمة صنّفتها الحكومة اللبنانيّة محظورة بحسب الدّستور والقوانين. فالسيطرة على القرار الوطني أخطر على كيان الدولة، لأنها تمنعها من امتلاك قرارها المستقل وتُبقيها رهينة حسابات إقليمية لا تعبّر بالضرورة عن مصالح اللبنانيين.

وفي المقابل، فإن معالجة الاحتلال الإسرائيلي تستدعي مسارًا سياسيًا ودبلوماسيًا واضحًا، يفضي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وفق التفاهمات والاتفاقات ذات الصلة. لكن الوصول إلى هذه النتيجة يبقى مرتبطًا بوجود دولة قادرة على التفاوض باسم اللبنانيين جميعًا، وعلى تنفيذ ما تتخذه من قرارات. فلا يمكن بناء سيادة مكتملة فيما يبقى قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية.

تهديد السلم الأهلي والرسائل الإيرانية

إنّ التحذيرات التي أطلقها النائب حسن فضل الله بشأن تعريض السلم الأهلي للخطر، لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي وعن الدور الإيراني في لبنان. فهنالك احتمال أن تكون التحركات والرسائل السياسية الأخيرة مرتبطة بمحاولة الضغط على الحكومة اللبنانية، وعرقلة قدرتها على تنفيذ قراراتها السيادية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على طهران لوقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية اللبنانية.

ولا يمكن القفز فوق هذه التطورات وبين الاتصالات والزيارات الإيرانية اللبنانية التي شهدتها الأيام السابقة، فتوقيتها يستدعي التوقف عنده، ولا سيما في ضوء التهديدات الموجهة إلى الدولة والتحركات الميدانية التي رافقتها.

إن خطورة هذه المرحلة تكمن في احتمال انتقال الخلاف من مستوى السجال السياسي إلى مستوى تعطيل مؤسسات الدولة أو زعزعة الاستقرار الداخلي. لذلك، فإن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على احتواء التوتر، بل تشمل أيضًا حماية المؤسسات ومنع أي طرف من فرض إرادته بالقوة أو بالتهديد، وحتّى لو اضطرّت الحكومة إلى اتّ×اذ القرار باستعمال حقّها باحتكار القوّة لتستعملها بوجه القوّة غير الشرعيّة بحسب تصنيفها هي نفسها.

القرار السياسي هو الحلقة المفقودة

لقد اتّخذت الدولة اللبنانية قرارات مهمة، وأحالت بعض الملفات إلى الجهات القضائية المختصة، لكن المطلوب اليوم هو استكمال المسار القانوني بالتنفيذ الفعلي. فالمشكلة الأساسية، في تقديري، ليست غياب القرارات، بل غياب الحسم السياسي في تطبيقها.

وقد أظهرت تجارب سابقة أن الدولة قادرة على التحرك عندما يتوافر القرار السياسي الواضح. أما التردد في مواجهة التحديات السيادية، فيفتح الباب أمام مزيد من الضغوط، ويعطي الأطراف المعنية انطباعًا بأن التهديد كفيل بتعطيل القرارات الرسمية.

فحذارِ من استمرار هذا الواقع، لأنّه قد يضع لبنان أمام خطرين متلازمين: الأول، إتاحة المجال أمام إسرائيل لتوسيع تحركاتها العسكرية بذريعة عجز الدولة عن ضبط الوضع؛ ولا سيّما أنّ هذه الورقة يمكن أن تستغلّها إسرائيل في انتخاباتها الدّاخليّة. والثاني، الانزلاق إلى فوضى داخلية تصبح الحكومة عاجزة عن احتوائها إذا لم تتحرك بحزم وفي إطار القانون.

من حصرية السلاح إلى نزعه

وفي ما يتعلق بمستقبل سلاح حزب الله، المطلوب هو تنفيذ القرارات السيادية على أرض الواقع، وصولًا إلى نزع سلاح التنظيم المسلّح، لا الاكتفاء بتغيير المصطلحات أو إبقاء النقاش محصورًا في آليات التسليم أو الحصر. فجوهر المسألة هو أن تكون القوة المسلحة وقرارات استخدامها خاضعة لسلطة الدولة ومؤسساتها الشرعية، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية ذات الصلة، ومنها القرار 1701.

فالتهديدات المتكررة بشأن السلم الأهلي لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعليق تنفيذ القرارات السيادية. وفي تقديري، فإن قدرة حزب الله على فرض مواجهة داخلية ليست مطلقة، إذ إن أي خطوة من هذا النوع ستضعه في مواجهة المؤسسات اللبنانية، فضلًا عن التداعيات والعواقب الدولية التي قد تترتب عليها.

كما أن لبنان بات في قلب مسار تفاوضي إقليمي ودولي، ولا يمكن التعامل مع ساحته وكأنها ورقة متروكة لإيران كي تستخدمها في مفاوضاتها. فاستقلال القرار اللبناني مصلحة وطنية، قبل أن يكون مطلبًا دوليًا.

اليونيفيل ومستقبل الأمن في الجنوب

أمّا مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، فلا يجوز تقديم المواقف السياسية بشأن بقائها وكأنها تعبّر تلقائيًا عن إجماع اللبنانيين. فالمواقف النيابية والسياسية، مهما كان حجمها، لا تلغي ضرورة النقاش الوطني حول الصيغة الأمنية الأنسب للمرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، ينبغي أن ينطلق البحث من سؤال أساسي: كيف يمكن ضمان الاستقرار في الجنوب، وحماية السكان، ومنع الاعتداءات الإسرائيلية، بالتوازي مع تعزيز قدرة الجيش اللبناني وتثبيت سلطة الدولة؟ فالمطلوب ليس مجرد الإبقاء على صيغة قائمة أو استبدالها، بل ضمان ألا يؤدي أي تغيير في الوجود الدولي إلى فراغ أمني أو إلى إضعاف قدرة لبنان على حماية حدوده.

شحنة المتفجرات: سؤال مشروع عن استمرار البنية العسكرية والأمنية

أمّا في ما يتعلّق بضبط شحنة من المتفجرات قُدّرت بنحو 500 كيلوغرام من مواد بينها C4 وTNT، فهذه القضية تثير أسئلة أمنية خطيرة حول استمرار محاولات إعادة بناء القدرات العسكرية والأمنية لحزب الله.

واكتشاف الشحنة، وفق المعلومات التي جرى تداولها، ارتبط بحادث عرضي أدى إلى انكشافها. وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا عن مدى قدرة الأجهزة المختصة على كشف شحنات مماثلة، وعن احتمال مرور شحنات أخرى لم تُكتشف. غير أن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى تحقيقات موثوقة وأدلة، ولا يجوز تحويل الاحتمالات إلى وقائع محسومة قبل استكمال التحقيق.

إن خطورة الملف لا تقتصر على المتفجرات نفسها، بل تمتد إلى ضرورة التحقق من استمرار البنية العسكرية والأمنية والمالية لحزب الله، ومن مصادر التمويل وآليات نقل الأموال والمواد، ومدى التزام جميع الأطراف بالقوانين اللبنانية والقرارات الدولية.

العقوبات الدولية وخطر تعريض الدولة لمزيد من الضغوط

إنّ استمرار محاولات إعادة بناء القدرات العسكرية والمالية لمنظّمة حزب الله قد يؤدي إلى تشديد العقوبات الأميركية والدولية. وقد لا تبقى تداعيات هذه العقوبات محصورة بالجهات المستهدفة، بل يمكن أن تنعكس على البيئة الاقتصادية والمالية اللبنانية إذا اتسع نطاق الإجراءات أو تضررت الثقة بالنظام المالي والمؤسسات الرسمية.

ولذلك، فإن مصلحة لبنان تقتضي أن تبادر الدولة إلى تطبيق قوانينها، وتعزيز الرقابة على مصادر التمويل والتحويلات، وإثبات قدرتها على منع استخدام أراضيها ومؤسساتها في أنشطة تخالف القوانين. فالدولة التي تثبت استقلال قرارها وقدرتها على فرض القانون تكون أقدر على حماية اقتصادها وعلاقاتها الخارجية، وعلى تجنيب مواطنيها تكاليف إضافية لا يحتملها الوضع المالي الراهن.

على الدولة أن تثبت أنها دولة

إن جوهر الأزمة اللبنانية اليوم هو الفجوة بين القرارات السيادية المعلنة والقدرة على تنفيذها. فالحكومة لا تستطيع أن تطلب من اللبنانيين الثقة بمؤسساتهم إذا بقيت قراراتها عرضة للتهديد أو التعطيل، كما لا يمكن بناء الاستقرار على توازنات مؤقتة تسمح لأي تنظيم مسلّح بامتلاك قرار مستقل عن الدولة.

الحل، يبدأ بقرار سياسي واضح، يتبعه تنفيذ قانوني ومؤسساتي متدرج وحازم، يعزز دور الجيش والقضاء والأجهزة الشرعية، ويحمي السلم الأهلي، ويضع حدًا لأي تدخل خارجي في القرار اللبناني. وفي الوقت نفسه، يجب أن تسعى الدولة إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي عبر المسار السياسي والدبلوماسي، وتوفير الضمانات الأمنية التي تحمي الجنوب وأهله.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من القرارات التي تبقى حبرًا على ورق، بل إلى دولة تمتلك إرادة التنفيذ، وتحتكر السلاح الشرعي، وتدير علاقاتها الخارجية انطلاقًا من مصالح مواطنيها. فإما أن تثبت المؤسسات قدرتها على ممارسة السيادة، وإما أن تستمر البلاد في دفع ثمن ازدواجية القرار وتضارب المصالح الداخلية والإقليمية. وهذا ما قد يهدّد كينونة الدّولة اللبنانيّة برمّتها، وكيانيّة الوطن اللبناني المكلوم. وما بين الكينونة والكِيانيّة أين يكونُ المواطن اللبناني؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك