الشرق الأوسط على حافة الانفجار : هل اقتربت ساعة الصفر؟

القرار الإسرائيلي بتوجيه ضربة قاضية إلى الحزب يبدو، على ما يبدو، شبه محسوم، فيما يبدو أنّ القرار الإيراني بفرض الردّ عبر منظّمة حزب الله إسنادًا لإيران محسوم بالفعل. لكنّ المسألة اللبنانية تتجاوز تقدير ما قد يفعله الحزب إلى سؤال أكثر جوهرية : مَن يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ ومَن يتحمّل مسؤولية النتائج إذا انخرطت البلاد في مواجهة لا تقرّر الدولة توقيتها ولا أهدافها؟

خاص بوابة بيروت

الأنفاس محبوسة. طبول الحرب تُقرع. لا، بل الحرب واقعة. لكن ما ليس معروفًا حتّى الساعة هو ساعة الصفر. منظّمة حزب الله، عبر الرئيس برّي، تطمئنها، ومعها اللبنانيين جميعًا، بألّا إسناد هذه المرّة في حال استُهدفت طهران. لكنّ التجارب السابقة لا تطمئن. هل نحن أمام مواجهة إقليمية وشيكة، أم أمام تصعيد محسوب في إطار حرب الأعصاب والضغط السياسي؟ والأهمّ، هل يملك لبنان ترف التعامل مع هذه الاحتمالات بوصفها شأنًا خارجيًّا، فيما قد يكون أوّل المتأثّرين بأيّ مواجهة أمريكية – إيرانية جديدة؟

مؤشّرات ميدانية تتجاوز حرب الأعصاب

على وقع الإخلاءات الدبلوماسية المتسارعة، ولا سيّما إخلاء السفارة الألمانية التي سمّت المناطق بأسمائها، والتسريبات الإعلامية عن الاستعدادات العسكرية غير المسبوقة، فضلًا عن الإجراءات الدفاعية التي تحضّرت لها إسرائيل في ديمونا، تتراكم المؤشّرات المقلقة. كذلك، تتداول الصحافة تسريبات عن إخلاءات نفّذتها منظّمة حزب الله في الجنوب، وعن إعادة التموضع في منطقة ضاحية بيروت الجنوبية. يُضاف إلى ذلك خروج عدد من العائلات من هذه المنطقة. كلّها مؤشّرات توحي، حتّى الساعة، بأنّ المنطقة دخلت في المحظور، وأنّ العودة إلى الستاتيكو الاستقراري السابق باتت شبه مستحيلة.

قد تكون لهذه التحذيرات أبعاد احترازية، قبل اتّضاح طبيعة التطوّرات، أو حتّى في إطار الضغط الدبلوماسي. لكنّ اقترانها بإجراءات عسكرية ولوجستية موثّقة يؤكّد أنّ جزءًا من الصورة الحربية بات أكثر جدّية، ويستوجب الاستعداد، من دون القفز إلى الجزم بأنّ ساعة الصفر قد حُدّدت.

هذا فضلًا عن أنّ الانتخابات الإسرائيلية تُعتبر عاملًا أساسيًّا ودافعًا محتملًا إلى تحديد ساعة الصفر، نظرًا إلى ما قد تحمله هذه العملية من انعكاسات إيجابية على نتائج الانتخابات. ناهيك عن تهديدات إيران باستهداف مراكز الطاقة في الدول الخليجية، وتحديد بنك للأهداف الدبلوماسية، ثمّ العودة إلى التضييق في هرمز.

فاتّجاه التصعيد بات محسومًا. ولكن، في أسوأ الأحوال، فإنّ تأجيل الانتخابات الإسرائيلية تحت ذريعة الحرب، أو تدمير لبنان في هذه الحرب، قد يكونان في خدمة نتنياهو. وربّما يكون الأخطر ما قد يأتي في حال فوز غريم نتنياهو، غابي أيزنكوت، صاحب نظرية «الضاحية دوكترين»، إذ إنّ تدمير الضاحية لن يكون أرحم في عهده من تدميرها في عهد نتنياهو.

وينطبق المنطق نفسه على ما يُتداول بشأن حاملة الطائرات الأمريكية «جورج واشنطن» وقدراتها العملياتية. فوجود قوّة بحرية أمريكية في المنطقة، أو جاهزيتها العسكرية، لا يثبت بمفرده اتّخاذ قرار بالهجوم. إذ إنّ الحشد العسكري قد يُستخدم للردع، أو لحماية القوات والمصالح الأمريكية، أو لدعم الحلفاء، أو لتوفير خيارات عسكرية في حال تعرّض إسرائيل لأيّ ردّ فعل من إيران أو وكلائها في لبنان أو اليمن.

في هذا السياق، لم يعد الاستعداد للحرب وسيلةً لمنعها فحسب، بل بات جزءًا من التحضير لها. ففي قراءة متكاملة للمواقف السياسية، والتحرّكات العسكرية المؤكّدة، وشروط التفاوض، ولا سيّما التمسّك الإيراني بالشروط السبعة التي وضعتها طهران، وطبيعة الرسائل المتبادلة بين الأطراف، تبرز مؤشّرات تنبئ بأنّ ساعة الصفر قد تكون أقرب ممّا نتوقّع.

من تفاهم نيسان إلى إعادة رسم النفوذ

لقد عرف الشرق الأوسط مرارًا هذا النوع من التصعيد الذي تتداخل فيه التهديدات العسكرية مع الرسائل الدبلوماسية. ففي عام 1996، أتاح تفاهم نيسان احتواء جولة من التصعيد بين إسرائيل ولبنان، رغم استمرار جذور الصراع. وفي عام 2006، أظهرت الحرب أنّ تقدير الأطراف لحدود التصعيد ونتائجه قد يكون مختلفًا جذريًّا عن النتائج التي تنتهي إليها المواجهة.

لكنّ المشهد اليوم يتجاوز ما شهدناه عام 2006؛ فالهدف لم يعد مجرّد ربط نزاع أو تثبيت قواعد اشتباك، بل إعادة رسم للنفوذ وإعادة تموضع لدول المنطقة في علاقاتها بعضها ببعض.

أمّا الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، ثمّ انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018، فقد أظهرا بدورهما أنّ المسار الإيراني ـ الأمريكي لا يتحرّك في خطّ مستقيم بين التفاوض والحرب، بل يتأرجح بين الضغوط والعقوبات والتهديدات ومحاولات التفاهم. والأهمّ أنّ المصالح الدولية وحدها قد تحكم أيّ اتفاقيات سلام أو لحظة إعلان الحروب، بدءًا من أوكرانيا، مرورًا بالشرق الأوسط، وصولًا إلى إيران واليمن، وليس انتهاءً بالصين وتايوان والشرق الأدنى.

والدرس الذي تقدّمه هذه المحطّات التاريخية ليس أنّ الحرب مستبعدة، ولا أنّها حتمية، بل إنّ المؤشّرات العسكرية لا تنفصل عن الحسابات السياسية، وإنّ التصعيد قد يكون وسيلةً لفرض شروط تفاوضية بقدر ما قد يكون مقدّمةً لمواجهة فعلية.

إلّا أنّ الأرجحية في هذه المرحلة باتت للحرب أكثر من كونها وسيلةً للضغط. لذلك، فإنّ السؤال الأدقّ ليس: متى تقع الضربة؟ بل: هل توحي الوقائع المتاحة بأنّ الأطراف انتقلت من مرحلة التهديد والردع إلى مرحلة اتّخاذ القرار والتنفيذ؟

منظّمة حزب الله ولبنان: مَن يملك قرار الحرب والسلم؟

بالنسبة إلى لبنان، لا يتوقّف الخطر عند احتمال توجيه ضربة إلى إيران، بل يمتدّ إلى طبيعة الردّ الإيراني، وإمكان اتّساع المواجهة، والموقع الذي ستختاره منظّمة حزب الله، وما إذا كانت ستتحوّل من مجرّد متفرّج إلى مشارك أساسي في إسناد إيران.

يبدو من التسريبات أنّ المنظّمة تبحث في التريّث، لأنّها لن تستطيع تحمّل النتائج. لكنّ الارتباط العضوي والأيديولوجي بإيران قد يحتّم التدخّل بصورة مباشرة إذا استهدفت الضربة شخصيات إيرانية قيادية، بينما قد يتجنّب الحزب الانخراط المباشر إذا اقتصرت الضربات على منشآت نووية أو حيوية.

فقرار الحزب لا يرتبط بالضرورة بنوع الهدف المستهدف وحده، بل يتأثّر بحجم الضربة ونتائجها، وموقف القيادة الإيرانية، وحسابات الحزب الداخلية، وقدرته العسكرية، وطبيعة الردود المتوقّعة، ومدى استعداد إسرائيل لتوسيع المواجهة على الجبهة اللبنانية.

لكنّ القرار الإسرائيلي بتوجيه ضربة قاضية إلى الحزب يبدو، على ما يبدو، شبه محسوم، فيما يبدو أنّ القرار الإيراني بفرض الردّ عبر منظّمة حزب الله إسنادًا لإيران محسوم بالفعل.لكنّ المسألة اللبنانية تتجاوز تقدير ما قد يفعله الحزب إلى سؤال أكثر جوهرية: مَن يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ ومَن يتحمّل مسؤولية النتائج إذا انخرطت البلاد في مواجهة لا تقرّر الدولة توقيتها ولا أهدافها؟

لقد أظهرت حرب عام 2006، ثمّ حرب الإسناد التي بدأت في 8 تشرين الأول 2023، أنّ انتقال الصراع الإقليمي إلى الأراضي اللبنانية لا يبقى محصورًا في الحسابات العسكرية. فهو ينعكس على المدنيين والاقتصاد والبنية التحتية والاستقرار الداخلي، ويضع الدولة أمام أعباء لا تتناسب بالضرورة مع قدرتها على التحكّم بمسار المواجهة.

ومن هنا، لا يجوز للبنان أن ينتظر اتّضاح القرار الأمريكي أو الإيراني أو الإسرائيلي كي يبدأ التفكير في حماية مصالحه. لذلك كلّه، على الحكومة اللبنانية التحرّك فورًا قبل فوات الأوان. وأيّ حديث عن اصطدام بين عناصر المنظّمة وقوّات الأمن اللبنانية يجب أن يتزامن مع دعوات محلية ودولية إلى تدخّل أجنبي تحت الفصل السابع، منعًا لدمار ما تبقّى من الهيكل المتهالك أساسًا، وحقنًا للدماء وحفاظًا على ما تبقّى من مقوّمات الدولة.

مسؤولية الدولة قبل فوات الأوان

يجب مساءلة منظّمة حزب الله عن قراراتها، ومساءلة الدولة عن عجزها، ومساءلة جميع القوى السياسية عن استمرار اختلال السيادة بالتشارك السلبي.

الإنكار لا يحمي لبنان. والاستعراضات الميدانية، على حاجتها، لا توفّر مظلّة دولية لحماية الدولة أو لضمان بقاء الوطن. وإلّا… لن يبقى هيكل، وقد لا تعود هذه الديموغرافيا إلى الجغرافيا نفسها. ذلك كلّه رهن بحكمة الحكومة أوّلًا، وبحكمة مَن تبقّى من عقلاء في لبنان!

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك