الانتقال من الإرادة إلى التنفيذ
فإن رحيل نتنياهو، إذا حدث، لن يعني بالضرورة نهاية التشدد العسكري الإسرائيلي، بل قد يفضي إلى إدارة أكثر انضباطًا للأهداف الأمنية نفسها. كما أن نتائج الانتخابات لن تحسم وحدها مسار المواجهة، الذي سيبقى مرتبطًا بموقف الولايات المتحدة وكلفة الحرب وقدرة الأطراف على احتواء التصعيد. فضلًا عن شكل الائتلاف الحكومي الذي سيتشكّل بعد الانتخابات الإسرائيليّة...
خاص بوابة بيروت
ترتفع وتيرة الضغوط الأميركيّة على الدّولة اللبنانية وأركان الحكم فيها، ولا سيّما بعد تعثّر مسار تامبا وفشل الحكومة باستعمال أدواتها التنفيذيّة لتطبيق قراراتها السياسيّة، إن من حيث نزع السلاح غير الشرعي من يد المنظّمة التي صنّفتها غير شرعيّة، وإن من حيث الإصلاحات الاقتصاديّة والنقديّة المرتقبة منذ أكثر من خمس سنوات.
وفي ظل هذه المعادلة، لا يبدو السؤال الأساسي مرتبطاً فقط بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل بما إذا كانت ستؤدي إلى تغيير فعلي في إدارة الصراع، أم ستكتفي بتبديل الوجوه السياسية فيما تبقى الاستراتيجية الأمنية على حالها.
تشير التقارير المتداولة عشية الانتخابات إلى مواجهة بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير، على خلفية توجيه عسكري محتمل ضد إيران، وسط مطالبة زامير بنقاش معمّق وتفويض خطي من القيادة السياسية.
أما احتمال صعود غادي آيزنكوت، فيطرح تساؤلاً حول طبيعة التغيير المنتظر. فالرجل قد يقدم أسلوبًا مختلفًا في إدارة المؤسسة العسكرية والعلاقة مع واشنطن، لكنه لا يطرح، وفقًا لمواقفه المعروفة، تحولاً جذريًّا في التعامل مع إيران وحزب الله. ولا سيّما أنّه صاحب Dahye doctrine، أو عقيدة الضاحية التي تمّ تطبيقها في العام 2006.
وبالتالي، فإن رحيل نتنياهو، إذا حدث، لن يعني بالضرورة نهاية التشدد العسكري الإسرائيلي، بل قد يفضي إلى إدارة أكثر انضباطًا للأهداف الأمنية نفسها. كما أن نتائج الانتخابات لن تحسم وحدها مسار المواجهة، الذي سيبقى مرتبطًا بموقف الولايات المتحدة وكلفة الحرب وقدرة الأطراف على احتواء التصعيد. فضلًا عن شكل الائتلاف الحكومي الذي سيتشكّل بعد الانتخابات الإسرائيليّة.
في المقابل، يواجه لبنان اختبارًا أكثر إلحاحًا. فقد نقلت تقارير إعلامية عن مصادر أميركية خيبة أمل من أداء الحكومة والعهد في تنفيذ خطة نزع السلاح، مع تلويح بتجميد دعم إعادة الإعمار وفرض عقوبات على شخصيات سياسية وقضائية وأمنية وشبكات مالية. وهذا ما قد يسرّع في عمليّة انهيار الهيكل من البوابة الاقتصاديّة. أو ربّما بالتّزامن مع الوضع الأمني والعسكري.
وتشير تقارير أخرى إلى أن حزب الله أعاد خلال الأشهر الماضية بناء جزء من قدراته العسكرية، استعدادًا لاحتمال تجدد الحرب. فاستمرار وجود قوة عسكرية خارج سلطة الدولة يجعل لبنان معرضًا للدخول في حرب لم يقررها من خلال مؤسساته، ثم تحمّل نتائجها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية للبنانيين كلّهم. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل استمرار العمليات الإسرائيلية والوجود العسكري في أراضٍ لبنانية، وهما عاملان يستوجبان معالجة سياسية ودبلوماسية جدية. وهذا ما تمّ إفشاله في تامبا مؤخّرًا.
وتزداد خطورة المشهد مع التهديدات الإسرائيلية بتوسيع نطاق الضربات في حال استهداف إسرائيل أو قواتها الموجودة داخل الأراضي اللبنانية. فالرسالة لا تستهدف حزب الله وحده، بل تحاول تحميل محيطه الاجتماعي كلفة المواجهة. لكن هذا المنطق ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ إن وجود بيئة اجتماعية مؤيدة لتنظيم مسلح لا يجعل المدنيين أهدافًا مشروعة. لكن استمرار هذه البيئة بالتّحديد بما تقوم به وتقدّمه من دعم لهذا المشروع غير اللبناني، سينعكس سلبًا على وجوديّتها الكيانيّة في صلب التّركيبة اللبنانيّة.
إن مصلحة لبنان تقتضي الجمع بين إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية واستعادة الدولة احتكار القرار العسكري الشرعي، من دون تحويل أي منهما إلى ذريعة لتعطيل الآخر. فالتاريخ، من هدنة عام 1949 إلى اتفاق الطائف عام 1989، يبين أن الاتفاقات لا تكفي ما لم تقترن بإرادة سياسية وآليات تنفيذ. فالإرادة السياسيّة موجودة لكنّ آليّات التّنفيذ معدومة على أرض الواقع.
يبقى الخوف ممّا بات مؤكّدًا بناء على النّتائج التي حصلت في الأسبوعين الأخيرين. وحالة الترقّب للعمليّات الانتخابيّة إن زادت الجمود جمودًا ستؤدّي إلى المزيد من حالة التّجميد السلبي. والذي من المفترض أن يترجم الإرادة السياسيّة إلى فعل تنفيذي ولا زال يتردّد في ذلك، سيقوم غيره بهذه المهام عنه، لأنّ الإسرائيلي إرادته السياسيّة توازي قدرته التنفيذيّة، وهو لا يخاف من استعمالها. والمؤشّرات كلّها توحي بأنّه سيستعملها.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير