الأكثرية تعتكف : عندما تسيطر جهنم على الجنة

أصبح من الواضح أن الشعب اللبناني غاضب من القرارات والمواقف الرمادية التي تتخذها السلطة التنفيذية. فلا أحد يوضح للبنانيين ما يحصل في البلاد. سلاح غير شرعي، حدود مفتوحة، لا رقابة، أمن متفلت، والكثير من المشاكل التي تغرق فيها الدولة، فيما الشعب ينتظر. شعب كان يتمسك بأمل التغيير والإصلاح الذي وُعد به في العهد الجديد، فالأمل لا ينتظر...

خاص بوابة بيروت

شاهدنا في هذه الفترة خلافًا بات واضحًا بين الحكومة ووزراء القوات اللبنانية. ففي الأسابيع السابقة، أعلن وزير الطاقة جو الصدي اعتكافه عن اجتماعات الحكومة، مع استكمال عمله في الوزارة، إلى حين اتخاذ القرارات المحقّة بالنسبة إلى الكهرباء، ومنها دفع الحكومة الإعفاءات والمتأخرات المتوجبة عليها.

كما انسحب وزراء القوات من أكثر من جلسة حكومية، لعدم إحالة ملف متفجرات شاحنة ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، والتصرف وكأن الملف ليس على قدر الأهمية والخطورة المنسوبتين إليه. كما لم يحضر وزراء القوات الجلسة الحكومية المقررة يوم الخميس ٢٩ تشرين الأول. وبدأت كهرباء لبنان بقطع الكهرباء عن كل مؤسسة لم تسدد مستحقاتها.

ولكن ليس الوزراء وحدهم من يعتكفون، بل أغلبية المواطنين أيضًا. فقد شهدنا في آخر انتخابات نيابية ازديادًا في عدد مؤيدي تكتل الجمهورية القوية، ردًّا على سنوات من الفساد واللامبالاة الأمنية التي طالت البلاد، ما أعطى القوات الفرصة للعمل في الحكومة والحديث عن الإصلاحات. فوجود القوات اللبنانية في الحكومة ليس سوى تعبير عن إرادة الأكثرية، فعندما يعتكف الوزراء، تعتكف إرادة الشعب وحقه في تقرير المصير.

أصبح من الواضح أن الشعب اللبناني غاضب من القرارات والمواقف الرمادية التي تتخذها السلطة التنفيذية. فلا أحد يوضح للبنانيين ما يحصل في البلاد. سلاح غير شرعي، حدود مفتوحة، لا رقابة، أمن متفلت، والكثير من المشاكل التي تغرق فيها الدولة، فيما الشعب ينتظر. شعب كان يتمسك بأمل التغيير والإصلاح الذي وُعد به في العهد الجديد، فالأمل لا ينتظر…

في الشكل، أقرت الحكومة ما وعدت به. فقرارات ٥ و٧ آب ٢٠٢٥، التي تهدف إلى إقرار ومناقشة خطة للجيش اللبناني لحصر السلاح غير الشرعي، وقرار ٢ آذار ٢٠٢٦ الذي يحظر بوضوح الأنشطة العسكرية لحزب الله. فبالمبدأ، القرارات موجودة، ولكن أين التطبيق؟

بالرغم من كل الإصلاحات والوعود، القرار ليس بيد الحكومة، وهنا تكمن المشكلة الأكبر. فقرار بلا تطبيق، كعازف دون آلته. ودولة بلا تطبيق، دولة لا يمكنها أن تتقدم، دولة فاقدة لحريتها وسيادتها

التطبيق موجود في العمق، وفي لبنان، العمق هو من يسيطر، والتاريخ شاهد: فمنذ سنة ٢٠٠٥، زرع من يُعتبر اليوم السبب في الأزمات والفساد والارتهان للخارج موظفين ومسؤولين وأصحاب القرار والتنفيذ. فتجذروا في عمق الدولة وتمسكوا بها لمدة ٢٠ سنة. في هذه الفترة، كانت الدولة والعمق على اتفاق، ولكن عندما تغيرت المعطيات ووُعدنا بالإصلاح، تغيرت الدولة وخطاب القسم والبيان الوزاري. في الشكل، تغيرت الدولة، ولكن هل تمكن هذا العهد الجديد من تغيير العمق؟ الجواب واضح، والشعب فهم أن الدولة تريد الإصلاح، ولكن هناك من يقرر وهناك من ينفذ، وهنا تكمن المشكلة: القطبان لا يتفقان.

هذا خطر كبير على الديمقراطية، فالشعب اختار، والأكثرية النيابية أعطت الثقة للحكومة، والحكومة تقرر وتتأثر بضغوطات العمق. فهل يعقل أن يؤثر الشيطان على الله؟ وهل يمكننا الإيمان بجنة تسيطر عليها جهنم؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك