بقلم مروان الأمين
في هذه الحرب يتصرّف “حزب اللّه” بسلوكٍ أقرب إلى الهستيريا، من دون أيّ رادع أو حسابات. فقد بادر إلى فتح هذه الحرب دعمًا للنظام الإيراني وانتقامًا لاغتيال علي خامنئي، في خطوة عبثية بكل المقاييس.
فقد جاء هذا القرار بشكلٍ مفاجئ بعد منتصف الليل، ما أدّى إلى رمي الناس في الشوارع من دون أيّ اعتبار لمصيرهم، وللأثمان الباهظة التي ستترتب على الطائفة الشيعية، سواء على المستوى البشري أو العمراني أو الاقتصادي أو الاجتماعي، رغم إدراكه المسبق أن تبعات فتح هذه الحرب ستكون الأخطر على الطائفة الشيعية تحديدًا.
لا تقتصر تصرّفات “الحزب” الهستيريّة على تبعات الحرب على الطائفة الشيعية، بل تنسحب أيضًا إلى المستوى العسكري والميداني. فـ “الحزب” يعلم جيّدًا أن قدراته العسكرية أصبحت محدودة إلى حدّ كبير، وأنه يعاني من حالة ترهّل عسكري وأمني واضحة. ومع انقطاع خط الإمداد عبر سوريا، أصبح واقعه العسكري أكثر تعقيدًا، ما زاد تعميق ضعف قدرته وفعاليته. وهذا الواقع تحديدًا هو ما دفعه إلى تحمّل الضربات الإسرائيلية على مدى خمسة عشر شهرًا من دون أيّ رد يُذكر. إلّا أنه بادر إلى فتح الجبهة حين اقتضت مصلحة النظام الإيراني ذلك، في خطوة أقلّ ما يقال فيها إنها ترتقي إلى مستوى الانتحار.
هذه التصرّفات الهستيرية، لا تنحصر في الاستخفاف بمصير الطائفة الشيعية أو في قرار فتح الجبهة، بل تمتدّ أيضًا إلى مستوى الخطاب الداخلي، ولا سيّما عبر الحملات التحريضيّة ضد المعارضين. فـ “حزب اللّه”، الذي فقد السرديّة المتماسكة التي كان يقدّمها للرأي العام الشيعي لتبرير توريطه في حروب متكرّرة، يجد نفسه اليوم أمام بيئةٍ تسأل عن التناقضات في سرديّته وخطابه، وعبثية قراراته وخياراته.
“حزب اللّه” الذي تكشفت هشاشته الأمنيّة بوضوح، بعدما تبيّن أنه مخروق بشكلٍ عميق من قبل الاستخبارات الإسرائيلية، والذي لا يجرؤ على الاعتراف بهشاشته أمام بيئته.
و “حزب اللّه” الذي كان شعاره الدائم “الحكي للميدان”، بينما أظهرت الحرب السابقة أنه استجلب الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية. وفي هذه الحرب، تتّسع يوميًّا رقعة الأراضي المحتلّة، بما يعكس مزيدًا من التقهقر والعجز الميداني.
و “حزب اللّه” الذي لم يعد يملك إجابات مقنعة يقدّمها لجمهوره لتفسير حجم الكارثة التي تسبّب فيها ولا يزال، من دمارٍ وقتلٍ وتشريدٍ وإذلالٍ واحتلالٍ، واحتمال عدم تمكّن الناس من العودة إلى منازلهم.
هذا “الحزب”، يلجأ إلى الهروب وإلى التضليل والافتراء. فبدلًا من تحمّل المسؤولية، يعمل على حرف أنظار الرأي العام الشيعي، عبر توجيه غضب الناس وتحريضهم ضد معارضيه، في محاولةٍ لامتصاص النقمة الداخليّة وصرفها بعيدًا من أصل الأزمة.
هذا المشهد الذي يُظهر “حزب اللّه” عاجزًا عسكريًا، ومخترقًا أمنيًا، وأجبنَ من أن يُصارح جمهوره بحقيقة أنه يتسبّب للطائفة الشيعية في كل هذه المآسي خدمةً للنظام الإيراني؛ لذلك نجده يلجأ إلى محاولة إخفاء تبعات أفعاله عبر تحميلها لمعارضيه، سواء أكانوا قوى سياسية أم مؤسسات إعلامية أم أفرادًا.
إن هذا السلوك لا يعكس فقط أزمة ظرفيّة، بل يكشف عن إفلاسٍ عميق في السرديّة وعلّة الوجود قبل أيّ شيء آخر. فسرديّته لم تعد قادرة على إقناع جمهوره أو تبرير خياراته، ما يضعه في موقع الانكشاف الكامل. ومن هنا، فإن حرف الحقيقة وتحميل معارضيه وزر أفعاله، لا يؤشر فقط على إفلاس سياسي أو عسكري أو أمني فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى السقوط الأخلاقي.