
منسق عام لقاء اللبنانيين الشيعة
لا يمكن قراءة الحروب بمعزل عن القوى التي تملك قرارها. لكن الأخطر من الحرب نفسها، هو الصمت الذي يسبقها ويليها. ففي كثير من الأحيان، لا تُفرض الحروب فقط بقرار فوقي، بل تُمهد لها أيضا ببيئة صامتة، تُقصى منها الأسئلة ويُخنق فيها الاعتراض.
في بية الطائفة الشيعية تحديداً، تحول هذا الصمت مع الوقت، من نتيجة للواقع إلى جزء منه. إذ ارتبط القرار السياسي والعسكري إلى حد كبير بأدوار حزب الله وحركة أمل، كقوتين أساسيتين داخل هذه البيئة. وهذا لا يعني اختزال الطائفة بهما، لكنه يعني أن كلفة قراراتهما لا تبقى محصورة بهما… بل تمتد لتصيب مجتمعا كاملا.
هنا يتجلى ثمن السكوت. حين يُمنع النقاش، أو يُقمع الاعتراض، أو يُستبدل الخوف بالقناعه، يصبح الصمت خياراً شبه إلزامي. لكنه في الحقيقة ليس حياداً، بل مساهمة غير مباشرة في تكريس الأمر الواقع. فغياب المساءلة لا يحمي المجتمع،بل يتركه مكشوفا أمام قرارات مصيرية لا يملك التأثير فيها.
وفي كل جولة حرب، تُدفع الأثمان نفسها: أرواح، اقتصاد، ومستقبل يُستنزف. ومع ذلك، يبقى السؤال المؤجل: من يملك حق القرار؟ ومن يملك حق الاعتراض؟ إن تأجيل هذا السؤال هو بحد ذاته إعادة إنتاج للأزمة.
المشكلة ليست في الانتماء، بل في احتكار التمثيل. حين تُختزل طائفة كاملة بخيارات قوى محددة، تُلغى التعددية داخلها، ويُحاصر أي صوت مختلف. وهنا تحديداً، تبرز أهمية المعارضة الشيعية، لا كترف سياسي، بل كضرورة لحماية المجتمع من الانغلاق ومن الانزلاق المتكرر نحو الحروب والعزلة. .
فالمعارضة داخل الطائفة ليست استهدافاً لها، بل محاولة لاستعادتها من منطق الاحتكار. وهي، حين تجد من يلتف حولها من داخل البيئة نفسها، تُعيد التوازن، وتفتح بابا لكسر الحلقة المغلقة بين القرار الأحادي وثمنه الجماعي.
في المقابل، لا يمكن القفز إلى الضفة الأخرى عبر استهداف الطائفة ككل. فهذا النهج لا يُضعف الأحزاب، بل يقويها، لأنه يعيد شد العصب حولها، ويمنحها ذريعة إضافية لإسكات أي صوت داخلي معارض.
لهذا المعركة الحقيقية ليست مع الطائفة، بل داخلها: معركة استعادة الصوت، وفتح مساحة للنقاش، وكسر احتكار القرار.
لبنان لن يخرج من دوامة الحروب إذا بقيت بعض بيئاته أسيرة خيارٍ واحد لا يُناقش. وثمن السكوت، في هذه الحالة، لا يُدفع مرة واحدة. بل يتكرّر مع كل جولة، ومع كل فرصة ضائعة لبناء دولة.
في النهاية، الصمت لا يحمي… بل يعرض لتكرار الخطر أكثر. وكسره مهما كان مكلفاً، يبقى الخطوة الأولى نحو حماية المجتمع واستعادة الطائفة.