من بوش الأب إلى ما بعد إبستين…

ازدواجية القوّة، أخلاق الإمبراطورية، وسقوط الوهم الأخلاقي

بقلم نزيه محمد حسن

على مدى ستةٍ وثلاثين عامًا، منذ رئاسة جورج بوش الأب وبداية النظام الدولي الأحادي القطب، رُسمت ملامح مرحلةٍ اتّسمت بتكريس الهيمنة الغربية على القرار الدولي. تحت عناوين “النظام العالمي الجديد”، و”نشر الديمقراطية”، و”حماية حقوق الإنسان”، شُنّت حروب، وفُرضت عقوبات، وأُعيد تشكيل خرائط سياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لكن السؤال الذي يزداد إلحاحًا اليوم، هل كان الخطاب الأخلاقي الذي رافق تلك السياسات متّسقًا مع الممارسة؟

أم أنّه كان غطاءً سياسيًا لمصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية؟

أولًا، الحروب باسم القيم

من حرب الخليج الأولى إلى غزو العراق عام 2003، مرورًا بأفغانستان، والتدخلات غير المباشرة في سوريا وليبيا واليمن، دفعت المنطقة العربية والإسلامية ثمنًا باهظًا لخياراتٍ اتُّخذت في عواصم بعيدة.

قُدِّمت هذه الحروب بوصفها معارك ضد الاستبداد أو الإرهاب أو تهديد الأمن الدولي، لكن حصيلتها كانت دولًا منهكة، ومؤسساتٍ مدمّرة، ومجتمعاتٍ ممزّقة.

تقرير لجنة “تشيلكوت” في بريطانيا كشف لاحقًا خللًا عميقًا في مبررات غزو العراق، وأثبتت السنوات أنّ ادّعاءات أسلحة الدمار الشامل لم تكن قائمة على أدلةٍ صلبة.

القانون الدولي، الذي يُفترض أن يكون مرجعيةً عليا، جرى تفسيره بمرونةٍ شديدة حين تعلّق الأمر بالقوى الكبرى، وبصرامةٍ مفرطة حين تعلّق بدولٍ أضعف.

ثانيًا، فلسطين وازدواجية المعايير

القضية الفلسطينية بقيت النموذج الأوضح لازدواجية المعايير. في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات حقوق الإنسان عالميًا، ظلّ الدعم السياسي والعسكري والمالي لـ”إسرائيل” ثابتًا، رغم تقارير أممية ومنظمات حقوقية دولية تتحدّث عن انتهاكاتٍ جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

الفيتو المتكرّر في مجلس الأمن، والحصانة السياسية الممنوحة، جعلا كثيرين في العالم العربي والإسلامي يشعرون بأنّ خطاب العدالة الدولية انتقائي.

هذا الشعور لا يبرّر خطاب الكراهية، لكنه يفسّر فجوة الثقة المتزايدة بين الشعوب والنظام الدولي.

ثالثًا، تصدير القيم أم فرض الأجندات؟

ملفات حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والطفل، وقضايا أخرى، تُطرح في كثيرٍ من الأحيان كمعايير كونية. غير أنّ الإشكالية تكمن في آلية الطرح، هل هي حوار ثقافي قانوني متكافئ، أم أداة ضغطٍ سياسي مشروط بالمساعدات والعقوبات؟

عندما تُربط المساعدات الاقتصادية بإعادة صياغة مناهج التعليم أو تعديل قوانين الأحوال الشخصية وفق نماذج محدّدة، يشعر جزءٌ من المجتمعات بأنّ الأمر يتجاوز التعاون إلى فرض الرؤية.

النقاش حول الحقوق يجب أن يكون نقاشًا داخليًا سياديًا، حتى لو استند إلى معايير دولية. أمّا تحويله إلى أداةٍ جيوسياسية، فيُضعف مشروعيته الأخلاقية.

رابعًا، فضيحة إبستين، سقوط صورة النخبة

قضية جيفري إبستين شكّلت زلزالًا أخلاقيًا داخل الولايات المتحدة وخارجها. رجل أعمالٍ مرتبط بنخبٍ سياسية ومالية وإعلامية، أُدين بجرائم استغلالٍ جنسي لقاصرات، وكشفت التحقيقات عن شبكة علاقاتٍ واسعة.

ما هزّ الرأي العام لم يكن فقط حجم الجرائم، بل قرب المتهم من شخصيات نافذة.

القضية أعادت طرح سؤالٍ عميق، هل توجد طبقة فوق المساءلة؟ وهل تُطبّق العدالة بالمعايير نفسها على الجميع؟

لكن من المهم التأكيد أنّ الجرائم الفردية، مهما كان مرتكبوها نافذين، لا يمكن تعميمها على شعوبٍ بأكملها أو تحويلها إلى توصيفٍ حضاري شامل. الفساد الأخلاقي موجود في كل المجتمعات، كما أنّ مقاومته موجودة أيضًا في كل المجتمعات.

خامسًا، الأخلاق والقوّة، علاقة ملتبسة

التاريخ الحديث يثبت أنّ الدول الكبرى، أيًّا كانت، تميل إلى توظيف الخطاب الأخلاقي لخدمة مصالحها. هذه ليست ظاهرة غربية حصرًا، بل سمةٌ في السياسة الدولية عبر العصور.

لكن الفارق أنّ الغرب بنى جزءًا من شرعيته الدولية على ادّعاء التفوّق القيمي، وعندما تنكشف التناقضات بين الخطاب والممارسة، يكون السقوط الرمزي مضاعفًا.

ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، وغضّ الطرف عن حلفاء مقرّبين، واستخدام حقوق الإنسان كسلاحٍ انتقائي، كلّها عوامل ساهمت في تآكل الصورة الأخلاقية للنظام الدولي الليبرالي.

سادسًا، العالم العربي والإسلامي بين النقد والدفاع

الغضب المشروع من السياسات الدولية لا يجب أن يتحوّل إلى إنكارٍ لواقعنا الداخلي. فالعالم العربي والإسلامي يواجه أزمات حوكمة، وفسادًا، واستبدادًا، وصراعاتٍ داخلية.

لا يمكن ردّ كل الإخفاقات إلى الخارج، كما لا يمكن تجاهل أثر التدخلات الخارجية والعقوبات والحروب في تعميق هذه الأزمات.

الصورة مركّبة، مسؤولية داخلية وخارجية متداخلة

التحضّر لا يُقاس بالانتماء الجغرافي أو الديني، بل بمدى احترام الإنسان وكرامته وسيادة القانون. وكل مجتمع، شرقًا وغربًا، يحمل نماذج مشرّفة وأخرى مُدانة.

بين المحاسبة والغضب

المرحلة الممتدّة منذ نهاية الحرب الباردة كشفت خللًا عميقًا في بنية النظام الدولي. الحروب الوقائية، والعقوبات الشاملة، والدعم غير المشروط لحلفاء متّهمين بانتهاكات، والفضائح الأخلاقية داخل النخب، كلّها عوامل تقوّض الثقة.

لكن الردّ لا يكون بخطاب كراهية أو تعميماتٍ حضارية، بل بالمطالبة الصارمة بتطبيق القانون الدولي على الجميع بلا استثناء، وببناء مجتمعاتٍ قوية داخليًا، قادرة على حماية سيادتها ومواطنيها.

المعيار الحقيقي ليس من الأكثر تحضّرًا، بل من الأكثر التزامًا بالعدالة حين تتعارض مع مصلحته.

ذلك هو الاختبار الذي لم ينجح فيه كثيرون، وهو الاختبار الذي سيحدّد شكل العالم القادم.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com