بقلم د. يوسف إبراهيم سلوم – خاص بوابة بيروت
ما بين الكيماوي العراقي 2003 والنووي الإيراني 2026، والنبوءات الملحمية، ومصدر اليقين الحربي، واستعجال نهاية الزمان والحرب العالمية الثالثة.
20 آذار 2003، الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تشنّان حربًا شاملة على العراق لإسقاط نظام صدام حسين.
“جورج بوش” يتصل بالرئيس الفرنسي “جاك شيراك” طالبًا منه انضمام الجيش الفرنسي إلى القوات المتحالفة، مبررًا ذلك بتدمير أوكار “يأجوج ومأجوج” الذين يختبئون في بابل القديمة، واصفًا حربه على العراق بالحملة الإيمانية والواجب الإلهي. راجع كتاب جان كلود موريس.
مكالمة الرئيس بوش مع الرئيس الفرنسي شيراك تأتي في مسار سياسة أمريكية متماهية مع الدولة العبرية، وهو الأمر الذي كان مثار دهشة لدى الصحفية الأمريكية “غريس هالسل” التي عملت كاتبة مع الرئيس الأمريكي “ليندون جونسون”، حول السر الذي يدفع بلدها إلى التضحية بمصالحها الإستراتيجية إلى هذا الحد من أجل إسرائيل. وما زاد حرصها على كشف هذا السر هو تصريح الرئيس الأمريكي “رونالد ريغان” عام 1980 في مقابلة متلفزة حين قال: “إننا قد نكون الجيل الذي سيشهد معركة هرمجدون”. وقد كشفت هالسل هذا السر في كتابيها “يد الله” و”النبوءة والسياسة”.
في خطاب “بنيامين نتنياهو” الأخير بتاريخ 13 آذار 2026 قال: “أعتقد أننا جميعًا ندرك أننا سنصل في نهاية المطاف إلى الملكوت، وسنبلغ زمن عودة المسيح”.
تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي تتلاقى مع تصريحات أصحاب غرف صناعة القرار في الإدارة الأمريكية الحالية، التي يعبّر عنها بوضوح السناتور “ليندسي غراهام”، الذي اعتبر أن الحرب على إيران حرب دينية وستحدد مستقبل الشرق الأوسط لألف سنة قادمة “الجماعة الألفية”. وكذلك وزير الحرب “بيت هيغسيث”، صاحب الأوشام المثيرة للجدل على جسده، الذي أجاب على سؤال صحفي عما إذا كان ينظر إلى الحرب على إيران من منظور ديني قائلًا: “من الواضح أننا نقاتل متطرفين دينيين يسعون إلى امتلاك قدرة نووية من أجل نوع من هرمجدون دينية”.
وبحسب “منظمة الحرية الدينية العسكرية الأمريكية”، تقول المنظمة إنها تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود وضباط أمريكيين يشتكون من تلقي توجيه عسكري ممزوج برؤية دينية تعتبر أن الحرب على إيران جزء من “الخطة الإلهية” ومقدمة لمعركة هرمجدون وعودة المسيح. فبحسب شهادة أحد ضباط الصف، فإن قائده طلب منه أن يقول ويشرح للجنود أن الرئيس “ترامب” قد “مُسح من يسوع” ليشعل الشرارة في إيران إيذانًا ببداية النهاية.
من الواضح أن ما يجري من أحداث على أرض المعركة يسير وفق مخططات متقنة لاهوتيًا، فتوقيت بداية الحرب على إيران نهار السبت في 28 شباط 2026 تزامن تمامًا مع عيد “البوريم” اليهودي أو “إستر”، التي تخلّد فشل المؤامرة الفارسية لإبادة اليهود قبل ألفي عام. وقتل “علي لاريجاني” كان يوم الأربعاء الأخير من السنة الفارسية وبداية خروج الناس للاحتفالات التي تدوم سبعة أيام.
أما على المقلب الإيراني، حيث الاعتقاد بأن الولي الفقيه يسلم الراية إلى قائم آل البيت الإمام المهدي المنتظر، صاحب العصر والزمان، الذي تلوح بشائر ظهوره في القريب العاجل بحسب علامات الظهور، راجع الشيخ الكوراني وغيره، وسيقاتل السفياني الناصبي “السني”. هذا هو السر اللاهوتي وراء قصف إيران لدول الخليج العربي بالصواريخ والمسيرات بهدف استدراجها إلى “الخسف” الذي يطيح بأتباع السفياني ملك الشام.
في الضفة المقابلة، وفي الموروث السني الوارد في أحاديث الفتن والملاحم، أن المسلمين يتحالفون مع الروم في حرب واحدة بوجه عدو مشترك. انظر، بسام جرار، راغب السرجاني، سلطان العكايلة، حاتم عبد العظيم.
ما ذكر سابقًا يتقاطع بطريقة أخرى مع الأدبيات اللاهوتية المسيحية، خاصة مع ما ورد في إنجيل القسيس الأمريكي “سايروس سكوفيلد” المسمى “الإنجيل المرجع”، وهو من أكثر الأناجيل انتشارًا في الولايات المتحدة الأمريكية وحول العالم.
باختصار، نحن أمام حرب سياسية تُقاد بيقين غيبي تحت ظل النبوءات الواردة في سفر حزقيال وأشعيا وسفر الرؤيا، وكتاب الجفر، وأحاديث الفتن والملاحم. هذه الحرب التي سيسلم فيها ولي الفقيه الراية إلى المهدي لإقامة خلافة أهل البيت، ونتنياهو “هبة الله” الراية إلى المشياخ “المسيح” لتدمير “العماليق” أي العرب وبناء الهيكل الثالث. وهي اللحظة المنتظرة لقدوم المسيح بحسب الإنجيليين المتصهينين، واللحظة المنتظرة في الموروث السني لأحاديث الفتن والملاحم لإقامة خلافة نهاية الزمان التي ستكون على منهاج النبوة.
وعليه، عندما نربط النبوءات بالواقع الجيوسياسي، يتحول الصراع السياسي الذي يمكن حله بالتفاوض إلى صراع وجودي، يحمل فيه الجنود عبء مسؤولية تحقيق النبوءة الإلهية. وتصبح الأهداف العسكرية إحداثيات إلهية، يرسم الجنود بدمائهم خرائط مملكة الرب القادمة، ويصبح الآخر محور الشر أتباع “الدجال”، وسقوط الممالك جسر عبور نحو ملاقاة “مملكة الرب”.
ويتحول الصراع إلى قدر بقرار ممهور بختم النهاية، وتتحول العقيدة العسكرية من حفظ السلام إلى استعجال الفناء.
فهل نحن فعلًا أمام حرب نبوءات؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه تديينًا جيوبوليتيكيًا بهدف توظيف الدين في تعبئة الخطاب وتغليفه بسرديات نبوئية؟ أم أننا أمام حرب واقعية تُدار وفق أهداف سياسية ومصالح صلبة وقوة ردع، ووضع اليد على منابع الطاقة وتحديد شكل النظام العالمي بالقوة؟