بقلم تريزيا رأشد – خاص بوابة بيروت
تجربة إسرائيل منذ تأسيسها، بسعيها إلى محيط آمن غير عدائي لا يهدد وجودها، تشكل هدفها الحقيقي. لا يهمها إذا كان توقيع سلام حار أم بارد أم تطبيع، مهما تعددت التسميات، فهدفه تأمين محيط غير عدائي.
عبر تجارب إسرائيل مع الطوائف في المنطقة، فإن الدروز هم الأقرب لها سلاما، لكنهم ليسوا في موقع القرار. فحاولت مع الطرف المسيحي في لبنان ودعمته، لكنها فوجئت بنوع من الخيانة عندما رفض توقيع معاهدة معها، متذرعا بقول شهير: لن أخسر 22 دولة عربية مقابل التوقيع مع دولة واحدة.
مع أنه ثبت فيما بعد أن هذه الدول سارعت إلى اتفاقات علنية وسرية معها، وهو بقي يتخبط في محيطه إلى يومنا هذا، كما أنه عوقب بحرب الجبل على عدم توقيعه وخسر، كما قال شارون وقتها، آخر فرصة له في لبنان.
وبعد تجارب عديدة، اتضح أن الأنظمة السنية هي الأقوى والأكثر حفاظا على السلام والمعاهدات، فوقعت مع مصر والأردن، وحتى مع منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر مدريد، وسبقه أوسلو.
ناهيك عن علاقاتها مع المغرب العربي والخليج العربي، الذي لا ينقصها سوى الجهر بها.
فقلبت النظام العلوي في سوريا إلى نظام سني على مشارف التوقيع.
ما يهمنا الآن هو أن النظام الرئاسي المسيحي أعطي فرصة ثانية لن تتكرر، كما وصفتها المبعوثة الأميركية أورتاغوس علنا.
فهل يستفيد الرئيس عون من هذه الفرصة، أو يقع في غلطة أسلافه، بيت الجميل آنذاك؟ والسؤال الأهم: هل بعدها سيتجه لبنان إلى التسنن بالحكم، كون التجربة السابقة أثبتت أن الأنظمة السنية الأكثر شجاعة والتزاما بالسلام؟
وأن الأنظمة الشيعية، وما يدور في فلكها من أذرع، هي الأكثر خطرا وعدائية، وأن النظام المسيحي الوحيد في الشرق متردد ومترنح وأضعف من أن يجاهر.
وهذا كله متوقف على شخصية فخامة الرئيس وقراره، فإما الاستفادة من آخر فرصة، أو أنها حتما آخر رئاسة مسيحية في الشرق إذا لم يتخذ القرار السليم والواضح، ولا يقع في غلطة أسلافه.
هذه حتما الفرصة الأخيرة لتثبيت الرئاسة المسيحية الوحيدة عربيا في الشرق، وما يحصل من تغيير ديمغرافي ومن تضييقات على مسيحيي سوريا، ربما يصب في جعلهم سكان الحدود الجنوبية الجدد في مرحلة ما، وهذه ليست المرة الوحيدة التي يشهد فيها لبنان تغييرا ديمغرافيا، وتحديدا الشيعة.