بقلم د. بلال عدنان علامة – خاص بوابة بيروت
في غزة، لم يكن الانهيار صاعقةً واحدة… بل مساراً تصاعدياً بارداً، محسوب الخطوات، قاتلاً في نتائجه. بدأ كل شيء بإيقاعٍ منخفض: ضربات موضعية، رسائل بالنار، إختبار متبادل لحدود الردع. بدا وكأن هناك “سقفاً” غير مكتوب يضبط اللعبة. لكن هذا السقف لم يكن سوى وهمٍ مؤقت.
سرعان ما بدأت الخطوط الحمراء تتساقط، خطاً تلو آخر. اتّسع المسرح فجأة : قصف كثيف، بنى تحتية تتهاوى، أحياء تُفرغ من سكانها، ومدينة تُمحى تدريجياً من الجغرافيا… ومن الذاكرة.
ثم دخلت الحرب مرحلتها الأطول والأكثر قسوة: استنزاف مفتوح، دمار بلا أفق، ومفاوضات زاحفة على وقع النار، لا توقفها، بل تتغذّى منها. مفاوضات تراقب الميدان حيناً، وتلاحق تقدّم العمليات حيناً آخر، بلا قدرة حقيقية على كسر الحلقة.
اليوم، المشهد نفسه يُعاد… لكن على أرض لبنان.
في البداية، قيل إن الاشتباك “مضبوط”. إن قواعد الردع لا تزال قائمة. عمليات محدودة، رسائل محسوبة، وحرص ظاهري على عدم الانزلاق إلى الحرب الشاملة. حتى إن البعض اختزل المشهد بـ”استعراض قوة”، وكأن الصواريخ رسائل سياسية أكثر منها أدوات حرب.
لكن كما في غزة، لم تصمد هذه السردية طويلاً.
توسّعت الضربات، تغيّرت طبيعة الأهداف. لم تعد المسألة ردوداً متبادلة، بل مساراً يتدحرج بلا كوابح.شيئاً فشيئاً، دخلت البنى التحتية إلى بنك الأهداف. الطرق، الاتصالات، المرافق الحيوية… كلها تحوّلت إلى أجزاء من المعركة.
هنا تبدأ المرحلة الأخطر، تعميم النار.
لم يعد الاستهداف محصوراً بعسكريين أو بمقاتلين لبسوا ثوب الجهاد المقدس من كلا الطرفين أو مواقع محددة، بل بات يطال كل ما يُشتبه بأنه جزء من “البيئة الحاضنة” تتلاشى الحدود بين الجبهة والداخل، بين العسكري والمدني. ومع هذا التحوّل، يبدأ النزوح الحقيقي. لا كحركة مؤقتة، بل كموجة إقتلاع جماعي، ترسم ملامح كارثة إنسانية تتشكّل على مهل… لكنها تترسّخ بسرعة.
ثم نصل إلى منطق ” الاقتراب “.
إشتباكات من مسافة صفر، كمائن، مواجهات مباشرة. صور تُنتج روايات عن صمود وقدرة على الإيلام، لكنها في العمق تستدرج رداً أعنف، وأكثر تدميراً، وأقلّ تمييزاً. هنا، يتحوّل التدمير إلى سياسة. قرى تُمحى، بلدات تُزال معالمها، ومناطق كاملة تُعاد صياغتها بالنار.
ومع إمتداد الزمن، تنكسر آخر المعادلات.
تدخل الحرب مرحلتها النهائية : فقدان السقف. لم تعد هناك ” قواعد اشتباك”، بل واقع مفتوح على أقصى درجات العنف. القوة النارية تصبح اللغة الوحيدة، والأهداف السياسية تتراجع أمام منطق فرض الوقائع.
عند هذه النقطة، تتقاطع السرديات… وتفترق الحقائق.
يُقال إن الصمود إنتصار. ويُقال بالمقابل إن التوسّع ضرورة أمنية. لكن بين هاتين الروايتين، تقف الحقيقة عارية: دمار واسع، مجتمع مشرّد، ذاكرة جماعية مثقلة بالإقتلاع، وأكثر من مليون إنسان يُدفعون إلى المجهول. وفي الخلفية، ملف ثقيل يُحضَّر، ليس للنصر، بل لطاولة تفاوض تأتي متأخرة… هذا إن أتت.
لبنان اليوم يقف على الحافة نفسها.
ليس أمام مواجهة محدودة، بل أمام مسار كامل يتشكّل، مرحلةً بعد مرحلة، بالمنطق ذاته والنتائج نفسها. البداية دائماً قابلة للتبرير. التوسّع دائماً “مضبوط”. لكن النهاية… معروفة سلفاً.
دمار أولاً، ثم تفاوض لاحقاً.
لكن هذه المرة، من موقع أضعف… وبأثمان أعلى.
السؤال الحقيقي ليس ما يجري الآن، بل ما الذي يُراد الوصول إليه.
ما هو الهدف السياسي النهائي الذي يؤمن الكسب للوطن ؟
هل يمكن لحرب بهذا الحجم، وفي ظل اختلال فاضح في موازين القوة، أن تنتج واقعاً أفضل؟
أم أنها مجرد إعادة إنتاج للأزمة… لكن على مستوى أكثر تدميراً وأقل قابلية للإصلاح أو العدم من إمكانية النهوض ؟
التاريخ يجيب بوضوح قاسٍ، حين يُترك الميدان ليكتب السياسة، تكون الخاتمة دائماً واحدة. نارٌ تسبق القرار، دمارٌ يسبق التفاوض، وخرابٌ شامل يُفرض كأمر واقع.
لبنان، إذا واصل هذا المسار، لا يقترب من حافة الهاوية فحسب … بل يسير داخلها، خطوةً بعد خطوة.
وللمرة الأخيرة ربما، لا يزال هناك هامش ضيق – ضيق جداً – لتغيير الاتجاه.
لكن هذا الهامش لا يُفتح بالشعارات، ولا يُحمى بالتمنيات ولا يحصل بالمشاريع الفئوية الخاصة.
بل بقرار صعب، إعادة الإعتبار للدولة … قبل أن تصبح الحرب هي الدولة.