سرديّة الحافة الأخيرة
بقلم مروان الأمين
أثار قرار فتح “حزب الله” للجبهة الجنوبية في خضم التصعيد الإقليمي، وبعد انطلاق العمليات العسكرية ضد إيران، ولا سيما بعد اغتيال علي خامنئي، موجة امتعاض واسعة بين الرأي العام الشيعي. هذا الاستياء لم يمرّ مرور الكرام، بل انعكس سريعًا في تبدّل الخطاب الرسمي لـ “الحزب”، حيث بدا واضحًا أن الشيخ نعيم قاسم اضطر إلى إعادة صياغة مبرراتها وتخفيف حدّة الارتباط بالسياق الإقليمي المباشر، بعد أن كان قد أعلن شخصيًا عدم وقوف “الحزب” على الحياد في حال التعرّض لشخص ولي الفقيه علي خامنئي.
فبعد أن طُرحت خلفيات فتح الجبهة في إطار دعم إيران والردّ على عملية اغتيال خامنئي، جرى التراجع عن هذه السردية لصالح خطاب أكثر تمحورًا حول الداخل اللبناني. وبرزت محاولة لإعادة تأطير القرار باعتباره ردًّا مشروعًا على الاستهدافات الإسرائيلية المتواصلة منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا، والتي أسفرت عن سقوط حوالى خمسمائة مقاتل، فضلًا عن تدمير طال عددًا كبيرًا من البنى التحتية العسكرية والمواقع التابعة لـ “الحزب”.
على الرغم من وضوح مواقف عدد من قيادات “الحزب” البارزة، مثل الحاج محمد رعد والحاج وفيق صفا، التي لم تتردد في ربط فتح الجبهة بسياق دعم النظام الإيراني أو ثأراً لاغتيال علي خامنئي، ويُضاف إلى ذلك الموقف الصادر عن مجتبى خامنئي، الذي ثبت هذه الرواية، عبر توجيه الشكر لـ “الحزب” على فتح الجبهة في سياق دعم طهران، ما أكّد المؤكّد بأن القرار كان جزءًا من مشهد إقليمي أوسع، لا مجرد رد فعل محلي. إلّا أن الشيخ نعيم قاسم ما زال مُصرًا على تقديم سردية مغايرة تمامًا، حيث يُكرّر في خطاباته وبياناته التأكيد أن فتح الجبهة جاء ردًا على الاستهدافات الإسرائيلية المتواصلة خلال الأشهر الماضية، وبعد ما وصفه بفقدان “الحزب” القدرة على الصبر أمام التمادي الإسرائيلي.
هذه الروايات المتباينة، تكشف تصدّعًا واضحًا في سردية “الحزب”، وعدم القدرة على توحيد الخطاب، ما يعكس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية مخاطبة الداخل اللبناني، ولا سيما الرأي العام الشيعي. هذا التحوّل في الرواية، والتناقض بين قيادات “الحزب”، لا يمكن فصله عن حساسية المزاج الشعبي، ولا عن إدراك متزايد بأن كلفة الانخراط في صراعات تتجاوز الحدود اللبنانية لم تعد قابلة للتسويق بسهولة.
هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المحور الذي يمثل “حزب الله” عموده الفقري هو اليوم في مرحلة نزاع حاسمة، وكأنه يقف عند الربع الساعة الأخير من مساره. كما أن الواقع الميداني على الجبهة الجنوبية يكشف عن سلسلة من الخسائر المتلاحقة التي يتعرض لها “الحزب”، سواء على مستوى العناصر الميدانية أو البنى التحتية العسكرية، والذي تُرجم من خلال التقدّم البرّي الإسرائيلي الذي وصل حتى اليوم إلى عمق ثمانية كيلومترات في الأراضي اللبنانية، وبكلفة بشرية إسرائيلية ضئيلة جداً.
وبناءً على ذلك، يظهر الضعف في السردية التي يقدمها “حزب الله” للرأي العام الشيعي بوضوح، حيث تتبدل المبررات بين الداخل اللبناني والدوافع الإقليمية، ويبرز التفكك في وحدة الخطاب بين قياداته. هذا التباين في التصريحات والسرديات ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو انعكاس حقيقي لحالة الانهيار التي يعيشها “الحزب” على مستوى المحور الإقليمي الذي ينتمي إليه، وعلى مستوى الجبهة الجنوبية التي باتت مرآة تعكس هشاشته أمام المتغيرات الميدانية والسياسية.