هل دخول الحرب كالخروج منها؟

بقلم د. علي خليفة – خاص بوابة بيروت

الممانعون سارعوا إلى الخروج من الحرب كما تنتهي النزهات. السعداء الأحياء أعلنوا الـ “إنتصار”، على قاعدة أنّهم دائمًا منتصرون أو “مستشهدون”. الإنتصارات كهذه تعمي البصر والبصيرة، بسبب الجموح الفائض في النزعة الوجدانية السامّة والحالة الهذيانية التي تؤسس لها عقيدة دينية تُذهب العقل.

منذ ساعات الفجر الأولى، نسوا شرف عائلاتهم المنكوبة مرة بعد مرة على قارعة الطرقات وفي مراكز الإيواء، ونسوا البيوت المدمّرة والأراضي المحروقة وآلاف الضحايا والجرحى. ونسوا إعادة احتلال الجنوب، ومليارات الدولارات كحصيلة أولية لخسائر حرب إسناد إيران، حتى الآن. نحن لا نحسب على الورقة والقلم، كما قال الأمين العام المتبقي لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في أحد خطاباته، بما معناه أن حسابات عصابته لا تقوم على العقلانية ولا على الكرامة الإنسانية وقيمة الفرد…

الأستاذ نبيه بري، مستعيدًا دوره المعهود الذي يغلبه الملل، سارع أيضًا إلى الإعلان أن اتفاق الهدنة المؤقتة مع إيران يشمل لبنان. هذا الإعلان يتخطّى طبعًا صلاحيات رئيس مجلس النواب في الدستور، ولكنّه يعكس الموقع الذي لطالما كان يشغله برّي في تبعيّته للمشروع الإيراني وتغطيته على الدور الأمني والاستخباراتي للسفير الإيراني في لبنان بما يضرب هيبة الدولة ويعرقل إقامة النظام.

بهذه الترتيبات: “إنتصار” ميداني لرجل إيران بالعمامة نعيم قاسم، مع رشّة تطمينات من رجل إيران بـ”كرافات” نبيه برّي… هكذا أراد الثنائي الإيراني في لبنان تظهير اتّفاق الفجر بين نظام الملالي والولايات المتحدة.

في الوقت نفسه، كان يعلن رئيس الحكومة نواف سلام، موقفًا مسؤولاً وفحواه أن لا أحدًا يفاوض باسم لبنان إلا الدولة اللبنانية. فهل من جرّ لبنان واللبنانيين لدخول الحرب سيعلن أيضًا خروج لبنان منها؟ في ذلك تتوازى الأدوار: زجّ لبنان في الحرب مرفوض، كما إخراج لبنان من الحرب بواسطة من تسبّب بجرّه إليها.

أيّ حديث عن “إنتصار” مزعوم أو ربط لبنان بمفاوضات يجريها نظام الملالي ويتسلّل منها أرنب مملّ إلى سلّة نبيه برّي الفارغة… إنما في ذلك إعادة تدوير لسرديّة الممانعة بما يؤدّي إلى ذرّ الرماد في العيون لمنع المحاسبة والمساءلة، وللإلتفاف على قرارات الحكومة اللبنانية تجاه ميليشيا حزب الله ولقطع الطريق على مبادرة رئاسة الجمهورية اللبنانية حول المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

كلّ هذا ولما تزل الحرب قائمة، فهل دخول الحرب كالخروج منها؟ قطعًا لا ولكن لم يتعلّم أحد من حرب الإسناد الأولى التي بدأها حزب الله بوتيرته… فتفلّتت منه وانجرفت معها قواعد الإشتباك وتوازن الرعب وما عاد الحزب قادرًا على إنهائها حتى بقيت بندقيته مكتومةً طوال خمسة عشر شهرًا…

هذه الحرب أيضًا، حرب الإسناد الثانية، بدأها الحزب بأمر عمليات إيراني مباشر، خدمةً لأجندة إيران ومصالحها، على التوقيت الإيراني الناجم عن تصفية القيادات السياسية والعسكرية والدينية في إيران… والحزب يقوم بدوره الوظيفي تجاه إيران… لا أكثر! مدفوع الثمن! وهذه المرة أيضًا، لم يستطع الحزب أن يوقف الحرب التي بدأها. الاستهدافات الإسرائيلية في بيروت والجنوب وجبل لبنان مستمرة ومتصاعدة. وهي منفصلة عمّا يحدث في إيران ولها.

نهاية “حزب الله” نقطة التقاء بين نظام الملالي المتهالك وإسرائيل التي تزأر بوجه إيران، نسبة لعملية “زئير الأسد” وبنفس الوقت تُبقي حزب الله في “الظلام الأبدي”، نسبة للعملية العسكرية التي بدأتها بشكل صاعق بعد الإعلان عن الهدنة المؤقتة مع إيران… مئة غارة في عشر دقائق لمواصلة تصفية قيادات حزب الله واجتثاث قواعده ومراكزه حتى تلك المتّصلة بالبنى المدنية.

يعني ذلك أن إيران تخلّت مرغمة عن حزب الله بسبب خسائر قاصمة والخوف من خسائر أفدح، والتباين بين ما تنشره وكالة تسنيم ووكالة فارس خير دليل على ذلك. الجواب الواضح يأتي من البيت الأبيض ومن القنوات الإسرائيلية وما يصدر عن المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي.

دخول الحرب ليس كالخروج منها: ليس أمام مسؤولي ميليشيا حزب الله وعناصره سوى السعادة من أمامهم وورائهم كما يفهمونها، ليس أمام نبيه برّي سوى خطاب يجترّه وعدّة قديمة، ليس أمام باقي المسؤولين في الدولة اللبنانية سوى تخليص لبنان واللبنانيين من هذا الشقاء وإلا ستمضي إسرائيل في فعل ذلك بالنيابة عنهم وبتكلفة أعلى بكثير…

لبنان في نفق مظلم ولم يخرج منه بعد. ولعلّ آخر النفق معلّق بما بعد سقوط الهدنة المؤقتة حول مضيق هرمز. فإنّ مصير نظام الملالي عالق في عنق زجاجة، سيعود ترامب إليها حتمًا.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com