نواف سلام : كسر النمطية السياسية واستعادة مفهوم “رجل الدولة”

بين منطق الدولة ومنظومة المحاصصة… هل يؤسس نواف سلام لمرحلة سياسية جديدة في لبنان؟

خاص بوابة بيروت

من الخطأ المنهجي، بل من الظلم التحليلي، محاولة وضع نواف سلام في سياق مقارنة مع سلفه أو معاصريه من رؤساء الحكومات منذ تأسيس لبنان. فنحن لسنا أمام “نسخة محدثة” من الزعامات التقليدية، بل أمام حالة سياسية ودستورية مغايرة بالكامل، ترفض بطبيعتها وتكوينها الانخراط في خانة الامتداد لأي تجربة سابقة.

على امتداد العقود الماضية، تشكّل النظام السياسي اللبناني ضمن معادلات معقّدة من التوازنات الطائفية والمصالح المتشابكة، حيث تحوّلت رئاسة الحكومة في كثير من الأحيان إلى موقع يتأرجح بين تمثيل الطائفة وإدارة التسويات.

إلا أن ما يميّز تجربة نواف سلام هو خروجه الواضح عن هذا السياق، ليس كشعار، بل كممارسة سياسية يومية.

خروج عن “نادي المحاصصة”

خلافًا للأعراف التي حكمت الحياة السياسية، لا يرتكز نواف سلام إلى منظومة مالية عابرة للحدود، ولا يقود تيارًا شعبويًا قائمًا على التعبئة الطائفية أو المذهبية. قوته لا تُستمد من شبكة مصالح، بل من “استقلال بنيوي” واضح؛ فهو لم يأتِ نتيجة صفقات مغلقة أو تفاهمات ظرفية، بل من خلفية قانونية وأكاديمية راسخة، تحمل مقاربة تُقدّم الدستور على التسوية، والمؤسسات على الأشخاص.

هذا التموضع يجعله خارج منطق “الزعامة التقليدية”، ويضعه في إطار مختلف: إطار رجل الدولة الذي يستند إلى شرعية قانونية لا إلى شرعية شعبوية أو طائفية.

رئيس المؤسسة لا رئيس “الكانتون”

يكمن الفارق الجوهري في نظرة سلام إلى السلطة. فهي ليست أداة نفوذ ولا وسيلة لتعزيز الزبائنية، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية. في مراحل سابقة، استُخدمت رئاسة الحكومة كمنصة لتمثيل فئة أو حماية مصالحها، ما ساهم في تكريس الانقسام وإضعاف الدولة.

أما اليوم، فيقدّم سلام نموذج “المسؤول الناظم” الذي يحتكم إلى المؤسسات، ويعيد الاعتبار لدورها كمرجعية وحيدة لإدارة الشأن العام. هو لا يوظّف التعددية اللبنانية كأداة صراع، بل يسعى إلى تنظيمها ضمن إطار قانوني يضمن الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى الفوضى.

لماذا تسقط المقارنة؟

إن محاولة مقارنة نواف سلام بمن سبقوه تصطدم بفوارق بنيوية واضحة:
المرجعية: ينطلق من الدستور والقانون الدولي، لا من توازنات القوى أو الاصطفافات الإقليمية.

الخطاب: يعتمد لغة الدولة التي تخاطب المواطن، مبتعدًا عن خطاب المظلومية أو الاستقواء.

المشروع: لا يطرح نفسه كزعيم طائفة، بل كرجل دولة يعمل على استعادة هيبة المؤسسات ومواجهة منطق الدويلة.

هذه العناصر مجتمعة تجعل من المقارنة معه مقاربة قاصرة، لأنها تتجاهل التحوّل في طبيعة الدور نفسه، لا فقط في شخصية من يتولاه.

التحدي، من “الحالة” إلى “النموذج”

رغم أهمية هذا التحوّل، يبقى التحدي الأكبر في عدم اختزال تجربة نواف سلام في كونها “حالة استثنائية”. فلبنان لا يحتاج إلى استثناءات، بل إلى معايير جديدة تُعيد تشكيل الحياة السياسية على أسس الدولة والقانون.
الرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذا النهج إلى ثقافة سياسية عامة، عابرة للطوائف والانقسامات، بحيث يصبح نموذج “رجل الدولة” هو القاعدة لا الاستثناء، والمعيار الذي يُقاس عليه الأداء السياسي.

فرصة تاريخية للبنان

يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في منطق “رؤساء المكونات” حيث تُدار الدولة كحصص، أو الانتقال إلى مرحلة “رؤساء الدولة” حيث تكون المؤسسات هي المرجعية العليا.

في هذا السياق، لا يمثّل نواف سلام مجرد خيار سياسي، بل اختبارًا فعليًا لإمكانية استعادة الدولة من داخل مؤسساتها. نجاح هذا النموذج لا يرتبط بشخصه فقط، بل بقدرة اللبنانيين على احتضان هذا التحوّل وترسيخه كمسار دائم.

لذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان نواف سلام يشبه من سبقوه، بل ما إذا كان لبنان مستعدًا لمواكبة نموذج لا يشبه إلا فكرة الدولة نفسها.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com