نصنع الضجيج… ويصنعون القرار

بقلم محمد قاسم قصب – خاص بوابة بيروت
@MohamadKassabLB

لقد برعنا في الصِّناعة، فكنّا الأوائل في صناعة المحتوى، نكتب، ننشر، نُحلِّل، ونتجادل… نملأ التطبيقات وشاشاتها ضجيجًا لا قيمة حقيقية له، ونُتقن الحكي حتى صدَّقناه.

صدقنا أننا أصحاب مواقع، وأصحاب حساباتٍ افتراضية، صُنعت خصيصًا لنحتلّ ساعاتها وأوقاتها بمحتوى… أقلّ ما يُقال فيه إنه مضيعةٌ للوقت.

محتوى تقليديٌّ بامتياز، لا يحمل فائدةً حياتية، ولا سياسية، ولا اجتماعية، بل استنزافٌ صامتٌ لعمر البشر، بكل ما للكلمة من معنى.

ننتج، ننشر، ونتباهى بالأرقام، ونقيس النجاح بعدد المشاهدات، لا بعمق الأثر.

على سبيل المثال: فيديو بصري مدته دقيقة واحدة، يحصد مليون مشاهدة… يعني مليون دقيقةً أُهدرت من عمر البشرية. مليون دقيقة، كان يمكن أن تُقرأ فيها فكرة، أو تُبنى فيها مهارة، أو يُتّخذ فيها قرارٌ يغيّر مسار حياة. لكننا اخترنا الأسهل: أن نملأ الفراغ، لا أن نملأ المعنى.

في المقابل، برع آخرون في صناعة الوهم، استراتيجياتٌ تُرسم على الشاشات، وحروبٌ تُخاض بالكلمات، لم يلمس أصحابها غبار الميدان يومًا.

خبراءُ افتراضٍ يتصدّرون مشهد تحليل حروبٍ أقلّ ما يُقال عنها إنها غير كلاسيكية، لا تشبه حروبهم، إن خاضوا واحدةً يومًا. يتباهون بقراءاتٍ استراتيجية، وتحليلاتٍ متخمةٍ بالتوقّعات الخنفشاريّة، لأحداثٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا قدرة لهم على تغيير مسارها.

كلٌّ يُغنّي على ليلاه، وصاحب القرار على ليله وحده يُغنّي.

محتوى هزليٌّ فارغ، محتوى بلا جدوى… نضحك، نُعلِّق، ونتفاعل، وكأننا نُغيِّر العالم.

لكن الحقيقة أبسط وأقسى، نحن نُتقن العرض، وهم يُتقنون القرار.

تركنا لهم صناعة مستقبلنا، بإرادتنا أو بتعبنا أو بتشتيتنا… فصار الغد يُكتب من دوننا، بين ضجيجٍ نصنعه، وصمتٍ يُقرِّر مصيرنا.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com