زمنُ «المُكَوِّعين»… حينَ يتحوّلُ شركاءُ #القمعِ إلى نجومِ المرحلة

بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت

@MirazJundi

في لبنان، لا تموتُ المنظوماتُ القمعيّة دفعةً واحدة. قد تسقطُ عسكريًّا، أو تنكسرُ سياسيًّا، لكنّها تُخلّف وراءها الجرثومةَ الأكثرَ خطورةً: طبقةً كاملةً من الانتهازيين المَهَرة في تبديل جلودهم بسرعةٍ تفوق سرعة سقوط المشاريع نفسها.

هؤلاء لا يؤمنون بفكرة، ولا ينتمون إلى وطن، بوصلتُهم الوحيدة هي «ميزان القوّة». مع القويّ دائمًا، وخلف المنتصر أبدًا، يرفعون الشعارات التي تضمن لهم مقعدًا قرب النفوذ، ولو كان ذلك فوق ركام الدولة وجثث الضحايا.

من رحم هذا المستنقع الأخلاقي، وُلد مصطلح «المُكَوِّع» في الوعي اللبناني. وهو ليس مجرّد مزحةٍ سياسيّةٍ ساخرة، بل توصيفٌ جراحيٌّ دقيقٌ لظاهرة التلوّن السياسي والإعلامي.

فالـ«مُكَوِّع» ليس شخصًا مارس حقّه الطبيعي في مراجعة رأيه وتصويبه، بل هو ذاك الذي أمضى سنواته بوقًا صاخبًا ورأسَ حربةٍ في ماكينة القمع، يبرّر القتل، ويغطّي الاعتقال، ويمتهن التخوين، ثم يخرج فجأةً من بين الأنقاض مرتديًا ثياب «الثورة» و«السيادة»، وكأنّ شيئًا لم يكن!

من التبرير إلى التنظير، غسيلٌ سياسيٌّ بوقاحةٍ علنيّة

المفارقة الفجّة اليوم، أنّ بعض الذين جلدوا كلّ صوتٍ حرّ، واتّهموا المعارضين بالعمالة والخيانة، باتوا يُقدَّمون عبر الشاشات كـ«مُنظّرين» للحرّيّة والإصلاح.

بالأمس، كانوا الأقلام المأجورة التي تبرّر بطش النظام السوري البائد، وتغطّي تغوّل الأجهزة الأمنيّة الخاضعة للمحور الإيراني – الأسدي، وتشارك في فبركة الوعي قبل فبركة الملفات.

واليوم، يحاولون القفز فوق الماضي عبر عمليّة «غسيلٍ سياسيّ» جماعي، لإعادة تدوير أنفسهم في المشهد الجديد.

وكأنّ الأزمة في هذا البلد لم تعد مع مَن مارس القمع والتحريض، بل مع الناس الذين ما زالت ذاكرتهم حيّةً ويرفضون النسيان.

المراجعةُ اعتذار… والانتهازيّةُ قفزٌ فوق الجثث

لا أحد يعترض على النقد الذاتي، فالاعتراف بالخطأ فضيلةٌ نادرةٌ في بيئةٍ سياسيّةٍ تُفضّل الهروب إلى الأمام.

لكنّ المراجعة الأخلاقيّة تبدأ بالاعتراف لا بالمحو، وبتجرّع المسؤوليّة لا بإعادة كتابة التاريخ.

تبدأ باعتذارٍ علنيٍّ وصريحٍ للضحايا، لا بالقفز إلى المقاعد الأماميّة بصفة «خبراء المرحلة».

أن يتحوّل شريكُ ماكينة التخويف والترهيب إلى بطلٍ سياديٍّ بين ليلةٍ وضحاها، فهذه ليست مرونةً فكريّة، بل انتهازيّةٌ مقزّزة.

فالدم الذي سال لم يكن نقاشًا نظريًّا، والاعتقالات والملفّات المفبركة لم تكن «سوء تقدير»، بل كانت حيواتٍ ومصائرَ دُمّرت لأنّ هناك مَن ارتضى أن يكون سوطًا في يد الجلّاد.

أوركسترا مشوّهة، معاقبةُ الثابت ومكافأةُ الحرباء

الأخطر من ظاهرة «المكوعين» هو النظام السياسي والإعلامي الذي يحتضنهم ويكافئهم.

في مقاييس هذا الزمن، صار الثبات على المبدأ تهمةً وجسارةً تُعاقَب بالإقصاء والتهميش، بينما بات التحوّل الانتهازي مهارةً «ذكيّةً» تُفتح لها المنصّات والتمويل.

لقد تحوّل المشهد إلى ما يشبه أوركسترا مشوّهة،الطبل فيها أعلى صوتًا من القانون.

الطبل يملأ الفضاء ضجيجًا واستعراضًا لأنّه فارغٌ أجوفُ من الداخل، أمّا القانون فإيقاعه هادئٌ ورصين لأنّه يحمل أوتارًا حيّةً وموسيقى حقيقيّة.

وهكذا هم «المكوعون»، ظواهرُ صوتيّةٌ متقلّبةٌ مع الريح، يُتركون دائمًا تحت الأضواء، بينما يُدفَع بأصحاب المواقف الحقيقيّة إلى الظل لأنّهم يأنفون الرقص فوق تبدّل الموازين.

لا دولةَ تُبنى على ركام الزيف

إنّ الأوطان لا تُبنى بإعادة تدوير المتورّطين، ولا بإنتاج نسخٍ «مفلترة» عن أبواق القمع.

والمجتمعات التي تفقد ذاكرتها تتحوّل سريعًا إلى مسارح مفتوحة للانتهازيين، حيث يُصبح الكذب «براغماتيّة»، وتتحوّل الوقاحة إلى «ذكاءٍ سياسي».

إنّ مواجهة ظاهرة «المُكَوِّعين» ليست معركةً شخصيّةً ضد أفراد، بل هي معركةُ وعيٍ شاملةٍ ضد ثقافةٍ سياسيّةٍ كاملةٍ تطمس المحاسبة وتمجّد الوصوليّة.

وفي النهاية، تبقى المعادلة التي لا تقبل التزوير، إنّ الأوطان لا يبنيها الذين بدّلوا ضمائرهم مع تبدّل موازين القوى، بل يحميها أولئك الذين بقوا أوفياء للحقيقة، يوم كان ثمن الحقيقة عزلةً، أو سجنًا، أو نفيًا، أو اغتيالًا معنويًّا وسياسيًّا.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك