في ذكرى #التحرير… #الجنوب بين ركام #الحرب ووهم #الانتصار

بقلم بلال مهدي – خاص بوابة بيروت

@BilalMahdiii

إنها ذكرى التحرير، يعود اللبنانيون إلى الجنوب فلا يجدون صورة الانتصار التي وُعدوا بها، بل مشهدًا أقرب إلى القيامة، قرى مدمّرة، بيوت تحوّلت إلى غبار، أراضٍ محروقة، وأرواح معلّقة بين النزوح والحداد. كأنّ الجنوب الذي احتفل يومًا بالخلاص من الاحتلال، وجد نفسه بعد سنوات أمام احتلالٍ من نوعٍ آخر، أكثر قسوةً وأشدّ فتكًا، لأنه لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يقتلع الحياة من جذورها.

احتلال الأمس كان يُرى بالدبابة والحاجز العسكري، أمّا احتلال اليوم فجاء على هيئة حربٍ مفتوحة أكلت البشر والحجر، وحوّلت الجنوب إلى ساحة خراب دائم.

لم تعد القضية مجرّد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى واقعٍ وجودي يهدد معنى البقاء نفسه. القرى التي كانت تضجّ بالحياة أصبحت أطلالًا، والأطفال الذين وُلدوا على حكايات “التحرير” وجدوا أنفسهم يكبرون بين رصاص الإنذار والأنقاض.

المأساة الأكبر أنّ الناس دُفعوا مرة جديدة لدفع أثمان مشاريع أكبر منهم. الجنوب لم يعد فقط خط تماس، بل صار وقودًا لصراعات إقليمية تتجاوز قدرة لبنان على الاحتمال. وبين خطاب “الانتصار” وواقع المقابر والدمار، تتسع الهوة حتى تكاد تبتلع ما تبقى من ثقة الناس بكل الشعارات التي رفعت باسمهم.

أبناء الجنوب لم يكونوا بحاجة إلى مزيد من البطولات الخطابية، بل إلى دولة تحميهم، إلى مؤسسات تمنع تحويل قراهم إلى ساحات حرب دائمة، إلى قرار سيادي يمنع تكرار المأساة جيلاً بعد جيل. فالتحرير الحقيقي لا يُقاس فقط بخروج جيشٍ محتل، بل بقدرة الناس على العيش بكرامة وأمان داخل وطنٍ لا يتحول كل بضع سنوات إلى ركام.

الوجع اليوم ليس فقط في عدد الشهداء، بل في شعور اللبنانيين بأن الجنوب يُستنزف مرة بعد أخرى، فيما تُعاد تدوير الخطابات نفسها وكأن شيئًا لم يحدث. أي تحرير هذا الذي ينتهي بتهجير الناس من أرضهم؟ وأي انتصار ذاك الذي يترك خلفه مدنًا ميتة وأحلامًا مدفونة تحت الركام؟

ذكرى التحرير كان يفترض أن تكون مناسبة لاستعادة الدولة، لا لاستعادة الحروب. كان يفترض أن تكون لحظة بناء، لا لحظة دفن جديدة. لكن الجنوب وجد نفسه عالقًا بين احتلالين: احتلال العدو بالنار، واحتلال الشعارات التي لم تحمه من الموت.

يبقى السؤال الذي يطارد اللبنانيين جميعًا، كم مرة يجب أن يُدمَّر الجنوب حتى يدرك الجميع أنّ حماية الأرض لا تكون فقط بالسلاح، بل أيضًا ببناء دولة تمنع تحويل أهلها إلى أشلاء في كل حرب؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك