الانتحار المقدّس… عندما يصبح الوطن وقودًا لإيران 

خاص بوابة بيروت

في تاريخ الأمم لحظاتٌ فاصلة لا تسقط فيها الدول بفعل الهزائم العسكرية وحدها، بل بفعل إصرار بعض القوى على إنكار الواقع حتى اللحظة الأخيرة.

تبدأ المأساة عادةً عندما تقتنع جماعة سياسية أو عسكرية بأنها أكبر من الدولة، وأعلى من المجتمع، وأقدر من الشعب نفسه على تحديد مصيره. وعندما يحدث ذلك، يتحول الوطن تدريجياً من غايةٍ بحد ذاته إلى مجرد وسيلة في خدمة مشروعٍ يتجاوز حدوده ومصالح أبنائه.

هذا ما عرفه لبنان في مراحل متعددة من تاريخه الحديث.

ففي سبعينيات القرن الماضي، رُفعت شعارات التحرير الكبرى، وقيل للبنانيين إن تحويل بلادهم إلى قاعدةٍ للصراعات الإقليمية هو ثمنٌ لا بد منه من أجل قضيةٍ أكبر. يومها توسّع السلاح خارج مؤسسات الدولة، وتراجع القرار الوطني أمام قرارات التنظيمات المسلحة، وتحولت الأراضي اللبنانية إلى ساحة مفتوحة للحروب والتجاذبات الدولية والإقليمية.

كانت النتيجة كارثية.

تفككت مؤسسات الدولة، اندلعت الحرب الأهلية، تعاقبت الاحتلالات على لبنان، ودفع اللبنانيون أثماناً باهظة من أمنهم واقتصادهم ووحدتهم الوطنية. وفي نهاية المطاف، انتهت تلك التجربة بخروج القوى الفلسطينية المسلحة من لبنان، بعد أن اكتشف الجميع أن الدولة التي تفقد احتكارها للقرار الأمني والعسكري تصبح عاجزة عن حماية نفسها وعن حماية القضية التي قيل إنها تحملها.

اليوم، وبعد عقود على تلك المرحلة، يبدو المشهد وكأنه يعود بصيغة مختلفة وأدوات مختلفة، ولكن بالمنطق ذاته.

لم يعد لبنان بالنسبة إلى المشروع الإيراني مجرد دولة صديقة أو حليف سياسي، بل تحوّل عملياً إلى إحدى ساحات النفوذ المتقدمة في صراع إقليمي واسع يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط. وأصبحت القرارات المصيرية المرتبطة بالحرب والسلم مرتبطة بحسابات تتجاوز الحدود اللبنانية، وتتصل بموازين القوى الإقليمية وبالمفاوضات الدولية وبالملفات الاستراتيجية التي تديرها طهران.

في هذا السياق، يصبح الإنسان اللبناني مجرد تفصيل صغير في معادلة أكبر منه.

وتصبح القرى والمدن والبنى التحتية والاقتصاد الوطني عناصر قابلة للتضحية متى اقتضت ضرورات المشروع ذلك.

من هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ”الانتحار المقدّس”.

وهو مفهوم يقوم على إقناع الناس بأن التضحية المفتوحة والمستمرة بمصالحهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم ليست خسارة، بل واجب عقائدي. وأن استمرار المواجهة مهما بلغت كلفتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية هو قيمة بحد ذاته، بصرف النظر عن النتائج التي تترتب على المجتمع الذي يدفع الثمن.

لكن الوقائع غالباً ما تكون أكثر قسوة من الشعارات.

فالجنوب اللبناني الذي قيل إنه محمي بالسلاح يعيش منذ سنوات في دائرة استنزاف مستمرة. والاقتصاد اللبناني الذي يحتاج إلى الاستقرار لجذب الاستثمارات وإعادة الإعمار يجد نفسه رهينة احتمالات التصعيد الدائم. أما الدولة اللبنانية، فتبدو عاجزة عن ممارسة أبسط وظائف السيادة الكاملة طالما أن قرار الحرب والسلم لا يمر حصراً عبر مؤسساتها الدستورية.

إن أخطر ما في التجارب العقائدية المسلحة أنها لا تكتفي بتوريط أصحابها، بل تجرّ معها مجتمعات كاملة إلى المصير ذاته.

ولهذا السبب تحديداً، يصبح من حق اللبنانيين الشيعة قبل غيرهم أن يطرحوا الأسئلة الكبرى حول مستقبلهم ومستقبل أبنائهم ومناطقهم. فمن يدفع الكلفة البشرية والاقتصادية والاجتماعية الأولى لأي مواجهة هو المجتمع الموجود على الأرض، لا القيادات البعيدة عن ساحات الدمار.

كما أن من حق اللبنانيين جميعاً أن يطالبوا باستعادة الدولة الكاملة لصلاحياتها السيادية، وأن يرفضوا بقاء أي سلاح أو قرار عسكري خارج المؤسسات الشرعية، لأن التجربة اللبنانية أثبتت مراراً أن ازدواجية السلطة لا تنتج توازناً، بل تنتج انهياراً تدريجياً للدولة.

وفي الإطار نفسه، تبرز ضرورة معالجة ملف المقاتلين غير اللبنانيين الموجودين على الأراضي اللبنانية ضمن رؤية سيادية واضحة تضمن حصرية العمل العسكري والأمني بالمؤسسات اللبنانية الرسمية، وتمنع استخدام لبنان كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

فالدول لا تُبنى بالجيوش الموازية، ولا بالمحاور العابرة للحدود، ولا بالشعارات العقائدية مهما بلغت قدرتها التعبوية.

الدول تُبنى عندما يصبح الولاء النهائي للدستور، وعندما تحتكر المؤسسات الشرعية وحدها قرار الحرب والسلم، وعندما تتقدّم مصلحة المواطن على مصالح المشاريع الخارجية.

لقد أثبت تاريخ لبنان الحديث أن كل تجربة وضعت السلاح فوق الدولة انتهت إلى النتيجة نفسها: تراجع السيادة، وتفكك المؤسسات، وتوسّع الخراب.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان اللبنانيون قادرين على تحمّل جولة جديدة من هذا المسار، بل ما إذا كانت البلاد تملك أصلاً ما يكفي من الوقت والإمكانات لتكرار الأخطاء نفسها مرة أخرى.

فالأوطان لا تموت دفعة واحدة.

إنها تُستنزف تدريجياً عندما يتحول الدفاع عن المشروع إلى هدف، ويتحول الوطن نفسه إلى مجرد قربان.

هذه الصيغة أقرب إلى مقالات الرأي المنشورة في الصحف السياسية الكبرى لأنها تعتمد التحليل التاريخي والمقارنة والاستنتاج السياسي، وتبتعد عن اللغة الخطابية المباشرة لصالح لغة أكثر رصانة وتأثيرًا.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك