حزب الله يدفن لبنان… والدولة أمام لحظة إعادة تعريف السيادة

خاص بوابة بيروت

لم يعد التصعيد على الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية قابلاً للقراءة ضمن منطق “الدورات الأمنية المضبوطة” أو “إدارة الاشتباك”.

ما يتكشف فعليًّا هو انتقال لبنان من موقع الدولة ذات الهامش السيادي المحدود إلى ساحةٍ مندمجةٍ داخل هندسة صراعٍ إقليميٍّ أوسع، تتقاطع فيه الحسابات الإسرائيلية مع البنية العملياتية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني داخل المجال اللبناني.

في هذا السياق، لم يعد حزب الله مجرد فاعلٍ داخليٍ مسلح، بل جزءًا وظيفيًّا من منظومةٍ عسكرية–سياسيةٍ عابرةٍ للحدود، ما يعيد تعريف طبيعة المواجهة: من احتواء تهديدٍ محلي إلى إعادة تشكيل بنية نفوذٍ إقليميٍّ متموضع داخل الجغرافيا اللبنانية.

تآكل احتكار الدولة: من السيادة إلى الازدواج البنيوي

على مدى عقدين، لم تكن الإشكالية اللبنانية مرتبطةً فقط بوجود سلاحٍ خارج الدولة، بل بإعادة توزيعٍ غير معلنٍ لوظائف السيادة نفسها. فقد نشأت بنيةٌ موازيةٌ أعادت تعريف من يملك القرار في لحظات الحرب والسلم، ومن يحدد اتجاهات السياسة الأمنية، ومن يضبط حدود الانخراط الإقليمي.

هذا التحول لم يُنتج “دولتين” بالمعنى الكلاسيكي، بل نموذجًا أكثر تعقيدًا: دولةٌ تستمر مؤسَّساتيًّا، مقابل مركز قرارٍ فعليٍّ يعمل خارج بنيتها الدستورية. والنتيجة ليست ازدواج سلطة، بل إعادة تركيب لمفهوم السيادة بحيث يتراجع احتكار الدولة للعنف والقرار إلى مستوى غير حاسم.

الجنوب اللبناني: تداخل المدني والعسكري

في الجنوب اللبناني، لم يعد بالإمكان التمييز بين المجال المدني والبنية العملياتية كما في النماذج التقليدية للدول. فقد جرى خلال سنواتٍ طويلة إنتاج بيئةٍ هجينةٍ، تتداخل فيها البنى السكنية مع وظائف لوجستية وعسكرية غير معلنة، ما أعاد تعريف طبيعة المخاطر في أي مواجهة واسعة.

في هذا النموذج، لا تعود الكلفة الإنسانية نتيجةً جانبية للاشتباك، بل جزءًا بنيويًّا من بنية الصراع نفسها، ما يجعل أي تصعيدٍ واسع النطاق قابلًا لتوليد دمارٍ ممتد يتجاوز نطاق الأهداف العسكرية المباشرة.

التحول الإسرائيلي: من إدارة التهديد إلى تفكيك البنية

تشير طبيعة العمليات الإسرائيلية الأخيرة إلى انتقالٍ واضح من منطق الردع وإدارة التوازن إلى منطق تفكيك البنية العسكرية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في محيطه الإقليمي.

هذا التحول يعكس إعادة تعريف للتهديد: لم يعد الهدف احتواء القدرة، بل إعادة صياغة شروط إنتاجها واستمرارها.

وبالتالي، لم تعد العمليات محصورةً في نطاقٍ عسكري تقليدي، بل باتت تمتد إلى البنية التحتية التي تشكّل البيئة الحاضنة للقدرات العسكرية، ما يضع الدولة اللبنانية في موقع المتلقي المباشر لكلفةٍ لا تتحكم لا في أسبابها ولا في مسارها.

الدولة اللبنانية: فجوة القرار والكلفة

تكمن المفارقة البنيوية في أن الدولة اللبنانية تتحمل الكلفة الكاملة لمسارٍ لا تملك أدوات التأثير فيه. هذا الانفصال بين مركز القرار ومركز العبء خلق نموذجًا شديد الهشاشة: دولةٌ قائمةٌ مؤسَّساتيًّا، لكنها غير قادرة على ضبط أحد أهم محددات السيادة، أي قرار الحرب والسلم.

وتتجلى آثار ذلك في:

  • تراجع القدرة الاقتصادية بفعل عدم الاستقرار البنيوي
  • ضغط ديموغرافي متصاعد نتيجة النزوح وإعادة التموضع السكاني
  • انكماش الثقة الدولية بالمؤسسات اللبنانية
  • تآكل وظيفة الدولة كوسيطٍ سياديٍّ بين المجتمع والنظام الإقليمي

لبنان داخل إعادة تشكيل النظام الإقليمي

لا يمكن فصل المسار اللبناني عن التحولات الأوسع في بنية الشرق الأوسط، حيث يُعاد توزيع مراكز النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. ضمن هذا الإطار، لا يظهر لبنان كفاعلٍ مستقل بقدر ما يظهر كنقطة تقاطع لمشاريع استراتيجية متنافسة.

هذا التموضع لا ينتج أزمة داخلية فحسب، بل يطرح سؤالًا أعمق حول وظيفة الكيان اللبناني نفسه داخل نظامٍ إقليميٍّ جارٍ إعادة تشكيله.

ما بعد النموذج القديم

المرحلة الحالية لا تعكس مجرد تصعيدٍ أمني، بل تآكلًا في النموذج الذي حكم لبنان لعقود: نموذج التعايش بين دولةٍ ضعيفةٍ وبنيةٍ عسكريةٍ موازية تتحكم بالقرار الاستراتيجي في لحظات الحسم.

هذا النموذج يقترب من حدوده القصوى، ليس سياسيًّا فقط، بل بنيويًّا.

وبالتالي، يصبح السؤال المركزي ليس حول شكل التسوية المقبلة، بل حول طبيعة الكيان: هل يمكن إعادة إنتاج سيادةٍ لبنانيةٍ كاملةٍ ضمن بيئةٍ إقليميةٍ يُعاد تشكيلها بالقوة؟ أم أن لبنان يتجه نحو إعادة تموضعٍ وظيفي داخل هندسة أمنية إقليمية جديدة؟

السيادة كتحول بنيوي لا كشعار سياسي

بعيدًا عن القراءات الانفعالية أو الاصطفافية، تفرض الوقائع الحالية استنتاجًا بنيويًّا مباشرًا: لا استقرار قابلًا للاستمرار في لبنان ضمن ازدواجٍ فعليٍّ في مركز القرار السيادي.

كل المسارات المقبلة—سواء اتجهت نحو التهدئة أو التصعيد—ستبقى محكومةً بقدرة الدولة على استعادة احتكارها الفعلي للقرار الأمني والاستراتيجي، باعتباره الشرط الأول لإعادة تعريف موقع لبنان داخل النظام الإقليمي.

وفي غياب ذلك، لن تكون الأزمة سياسيةً بالمعنى التقليدي، بل تحوّلًا تدريجيًّا في وظيفة الكيان نفسه داخل بيئةٍ إقليميةٍ يُعاد تشكيلها خارج حدوده.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك