يشوهون صورة أصحاب الرأي لأنهم يخشون قوة الأفكار…

حرية الفكر والرأي والكلمة بين الحقوق الإنسانية والأخلاق والمسؤولية

حرية #الفكر و #الرأي والكلمة بين الحقوق الإنسانية والأخلاق والمسؤولية

بقلم د. عبد العزيز طارقجي – خاص بوابة بيروت

@dr_tarakji

في البداية… ومنذ أن بدأت البشرية رحلتها نحو بناء الحضارات والدول الحديثة، كان الفكر الحر هو المحرك الأساسي للتقدم، وكانت حرية الرأي والتعبير هي الوسيلة التي مكنت الإنسان من مناقشة الأفكار وتطوير العلوم وتصحيح الأخطاء ومواجهة الظلم والاستبداد. فلا يمكن تصور مجتمع ديمقراطي أو دولة قانون أو منظومة حقوق إنسان حقيقية دون ضمان حق الأفراد في التفكير بحرية والتعبير عن آرائهم دون خوف أو ترهيب أو تشهير.

إن المجتمعات التي تخشى الأفكار المختلفة هي مجتمعات تخشى التطور، أما المجتمعات التي تحترم التعددية الفكرية فهي التي تملك القدرة على التقدم والإبداع وتصحيح مسارها بصورة مستمرة.

مفهوم حرية الفكر

حرية الفكر هي الحق الطبيعي والإنساني لكل فرد في أن يفكر وأن يقتنع وأن يختار قناعاته الفكرية والفلسفية والسياسية والدينية بحرية كاملة، دون إكراه أو ضغط أو وصاية من أي جهة كانت.

وتُعتبر حرية الفكر من أكثر الحقوق التصاقًا بكرامة الإنسان، لأنها تتعلق بالعقل والوجدان والضمير، وهي المنطقة التي لا يجوز لأي سلطة أو جماعة أو فرد أن يفرض عليها قيودًا أو أن يحتكر الحقيقة داخلها.

فالأفكار لا تُقهر بالقوة، ولا تُواجه بالمنع، وإنما تُناقش بالحجة والمنطق والمعرفة.

مفهوم حرية الرأي

حرية الرأي هي حق الإنسان في تكوين آرائه الخاصة حول القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية، وحقه في تبني المواقف التي يراها مناسبة دون خوف من العقاب أو الانتقام أو الإقصاء.

ولا تعني حرية الرأي بالضرورة أن يكون الرأي صحيحًا أو مقبولًا لدى الجميع، وإنما تعني أن لصاحبه الحق في التعبير عنه ما دام لا يحرض على العنف أو الكراهية أو انتهاك حقوق الآخرين.

إن وجود آراء مختلفة ليس تهديدًا للمجتمع، بل هو دليل على حيوية المجتمع وقدرته على النقاش والتفكير النقدي.

مفهوم حرية الكلمة والتعبير

حرية الكلمة هي الترجمة العملية للفكر والرأي، وهي حق الإنسان في نقل أفكاره وآرائه إلى الآخرين عبر الكتابة أو الخطابة أو الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي أو أي وسيلة مشروعة للتعبير.

وقد أثبت التاريخ أن الكلمة الحرة كانت دائمًا من أهم أدوات الإصلاح والتغيير، وأن كثيرًا من الحقوق والحريات التي يتمتع بها البشر اليوم بدأت بفكرة ثم تحولت إلى كلمة ثم إلى حركة إصلاحية ثم إلى قانون.

ولهذا فإن استهداف أصحاب الرأي أو تشويه سمعتهم بسبب آرائهم يمثل اعتداءً على أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات الحرة.

حرية الفكر والرأي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

أدرك المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية أهمية حماية حرية الفكر والرأي والتعبير باعتبارها من الحقوق الأساسية للإنسان.

فقد نصت المادة “18” من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 على أن لكل شخص الحق في حرية الفكر والوجدان والدين.

كما نصت المادة “19” من الإعلان ذاته على أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود.

وهذه المادة تُعد من أهم النصوص الحقوقية الدولية التي تحمي حق الإنسان في التفكير والتعبير عن آرائه دون خوف من الملاحقة أو العقاب بسبب أفكاره.

حرية الرأي والتعبير في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ليعزز الحماية القانونية الدولية لحرية الرأي والتعبير.

فقد أكدت المادة “19” من العهد أن لكل إنسان حقًا في اعتناق الآراء دون مضايقة، وأن لكل إنسان الحق في حرية التعبير، بما يشمل التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين.

ويُعتبر هذا العهد من أكثر الصكوك القانونية الدولية أهمية، لأنه يُلزم الدول الأطراف باحترام هذه الحقوق وعدم فرض قيود عليها إلا في أضيق الحدود التي يجيزها القانون الدولي.

الأخلاق الإنسانية واحترام الاختلاف

الأخلاق الإنسانية لا تُقاس بمدى اتفاق الناس مع بعضهم البعض، وإنما بقدرتهم على احترام بعضهم رغم اختلافهم.

فالإنسان الأخلاقي ليس هو الذي يوافق الجميع، بل هو الذي يحترم حق الآخرين في الاختلاف معه.

ومن هنا فإن السخرية والتشهير والتحريض والإساءة الشخصية بسبب الرأي أو الموقف الفكري لا تمثل ممارسة مشروعة لحرية التعبير، بل تمثل انحرافًا أخلاقيًا عن جوهر الحوار الحضاري.

الأخلاق الاجتماعية وقبول التنوع

المجتمعات المتقدمة لا تُبنى على التشابه المطلق بين أفرادها، وإنما على قدرتها على إدارة الاختلاف بصورة حضارية.

فالأخلاق الاجتماعية الحقيقية تقوم على احترام التنوع الفكري والسياسي والثقافي، وعلى الاعتراف بأن المجتمع يتسع للجميع، وأن الاختلاف في الرأي لا يجب أن يتحول إلى عداوة أو كراهية أو إقصاء.

إن محاولة إسكات الأصوات المختلفة أو تخوينها أو شيطنتها تمثل تهديدًا مباشرًا للنسيج الاجتماعي وللسلم الأهلي.

الأخلاق السياسية وحق المعارضة والنقد

في الحياة السياسية، لا يمكن الحديث عن الديمقراطية دون وجود حق النقد وحق المعارضة وحق الاختلاف.

فالأخلاق السياسية تقتضي أن تُواجه الأفكار بالأفكار والحجج بالحجج، لا أن يُواجه الرأي بالتشهير أو الترهيب أو حملات الكراهية.

ومن حق أي مواطن أو صحفي أو باحث أو ناشط أن ينتقد السياسات أو المسؤولين أو الجماعات أو الظواهر الاجتماعية ما دام ذلك يتم في إطار القانون واحترام حقوق الآخرين.

عندما يتحول الاختلاف إلى حملات تشويه

من المؤسف أن بعض الأشخاص يعتقدون أن كل من يختلف معهم في الرأي هو عدو يجب إسقاطه أو تشويه سمعته.

فبدلًا من الرد على الفكرة بالحجة، يلجؤون إلى مهاجمة صاحب الفكرة نفسه، وبدلًا من مناقشة الرأي يحاولون تشويه سيرة صاحبه أو النيل من سمعته أو التقليل من شأنه.

وهذا السلوك لا يدل على قوة الحجة، بل على عجز أصحابها عن خوض نقاش فكري حقيقي.

نحن وحقنا في الاختلاف

قد يرى البعض أننا مخطئون، وقد يعتبر آخرون أن أفكارنا أو مواقفنا لا تعجبهم، وهذا حقهم الكامل الذي نحترمه.

لكن من حقنا أيضًا أن نفكر وأن نعبر وأن نكتب وأن ننتقد وأن نختلف.

وليس من حق أحد أن يصادر ضمائرنا أو عقولنا أو أقلامنا أو أن يفرض علينا ما يجب أن نفكر به أو ما يجب أن نؤمن به.

نحن لا ندّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكننا نتمسك بحقنا المشروع في البحث عنها والدفاع عما نعتقد أنه حق وعدل وإنصاف.

في الختام…

إن حرية الفكر والرأي والكلمة ليست امتيازات تمنحها السلطات أو الجماعات للأفراد، بل هي حقوق أصيلة كرستها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وأكدتها المواثيق الدولية والقوانين الحديثة.

وقد يختلف معنا البعض، وقد يحاول آخرون تشويهنا أو التقليل من شأننا أو مهاجمة أفكارنا، لكننا سنبقى متمسكين بحقنا في التفكير الحر والكلمة الحرة والرأي الحر.

قد يرانا البعض على خطأ، وقد يصفنا بما يشاء، لكن ما نعرفه في أعماقنا هو أننا نسير وفق ما يمليه علينا ضميرنا وعقلنا ووجداننا.

ولذلك لن نتراجع عن قول ما نؤمن به، ولن نتخلى عن حقنا في التعبير السلمي والمسؤول، لأن الكلمة الصادقة تبقى أقوى من حملات التشهير، ولأن الأفكار لا تُهزم بالضجيج، بل بالحجة والمعرفة، ولأن الحق في التفكير والتعبير سيبقى دائمًا أحد أعظم إنجازات الإنسانية مهما كره الكارهون.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك