نداء صور… صرخة جنوب لبنان من تحت الركام

خاص بوابة بيروت

ليست مدينة صور مجرد بقعة جغرافية على شاطئ المتوسط، وليست مجرد مدينة جنوبية أضافها التاريخ إلى خرائط الحضارات. صور هي ذاكرة لبنان البحرية، وبوابة الفينيقيين إلى العالم، وإحدى أقدم المدن المأهولة على وجه الأرض. مدينة عبرت آلاف السنين من الحروب والغزوات والزلازل، وبقيت واقفةً كأنها تتحدى الزمن نفسه.

لكن صور اليوم لا تواجه غزوًا عابرًا ولا حربًا محدودة، بل تواجه خطرًا وجوديًّا يهدد الإنسان والحجر والذاكرة معًا.

لذلك لا يمكن النظر إلى “نداء صور” باعتباره بيانًا سياسيًّا عاديًّا أو موقفًا ظرفيًّا فرضته تطورات الحرب. إنها صرخة شعب أنهكته الدماء، ونداء مدينة دفعت من أبنائها وأحيائها وأسواقها ومؤسساتها أكثر مما تستطيع أي مدينة احتماله.

خطورة هذا النداء لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته.

فالمدن لا تطلب النجدة إلا عندما تبلغ حدود الخطر الأقصى.

وصور اليوم تقف على تلك الحافة.

خلال السنوات الأخيرة، تحولت المدينة تدريجيًّا من مركز للحياة الاقتصادية والسياحية والثقافية في الجنوب إلى ملجأ للنازحين والهاربين من نيران الحروب المتكررة. ثم جاءت المواجهات الأخيرة لتدفع الثمن الأكبر مرةً جديدةً: عشرات الضحايا، وأحياء متضررة، ومؤسسات اقتصادية مشلولة، ومدارس وجامعات ومستشفيات تعيش تحت ضغط دائم، وشعور عام بأن المدينة كلها أصبحت رهينة لقرارات لا يشارك أهلها في صنعها.

المأساة أن هذا الواقع لم يولد فجأة.

فمنذ عام 2000 عاش الجنوب كله تحت معادلة جعلته في حالة استنفار دائم. قيل للناس إن الحرب القادمة آتية، وإن المواجهة الكبرى مسألة وقت، وإن عليهم التعايش مع احتمال الدمار كجزء من حياتهم اليومية.

واليوم، بعد كل هذا الخراب وكل تلك المعارك «الإسنادية»، يطرح أبناء صور السؤال الذي كان يجب أن يُطرح منذ سنوات طويلة: ماذا ربحنا؟

هل كان مصير مدينة بحجم صور أن تتحول إلى ساحة مفتوحة للحروب؟

هل كُتب على أبنائها أن يعيشوا بين النزوح والعودة ثم النزوح من جديد؟

هل كان لا بد من أن تُدفع هذه الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة قبل الوصول إلى قناعة أن حماية الجنوب تمر أولًا عبر حماية الإنسان الجنوبي؟

لقد دفعت صور أثمانًا باهظة قبل أن يولد هذا الوعي الجديد.

دفعت من أرواح شبابها، ومن استقرار عائلاتها، ومن اقتصادها وسياحتها وأسواقها، ومن صورة مدينة كانت يومًا إحدى أجمل مدن البحر المتوسط.

واليوم، بعدما تراكم الركام فوق الركام، لم يعد السؤال متعلقًا بوقف غارة أو تجنب ضربة.

السؤال أصبح أعمق بكثير: هل نريد للجنوب أن يبقى جبهةً دائمةً أم منطقةً للحياة؟

هل نريد لأبنائنا أن يرثوا المدارس والجامعات أم الملاجئ والخنادق؟

هل وظيفة صور أن تكون مركزًا للحضارة أم مخابئ عسكرية؟

وهل يجوز أن تبقى مدن الجنوب كلها رهينة مشاريع إقليمية لا يملك أهلها حق تقريرها أو الاعتراض عليها؟

إن أهمية “نداء صور” أنه للمرة الأولى منذ زمن طويل يضع الإنسان قبل الشعارات، والحياة قبل الخطابات، والدولة قبل المحاور.

فالمدينة التي احتضنت الحضارات لا تطلب امتيازات.

هي تطلب حقًّا بديهيًّا : أن تعيش.

أن يعود أهلها إلى منازلهم بلا خوف.

أن يذهب أطفالها إلى مدارسهم بلا إنذار.

أن يفتح تجارها محالهم بلا قلق من الإسناد المقبل.

أن تستعيد دورها الطبيعي كعاصمة للجنوب لا كخط تماس دائم.

لهذا، فإن إنقاذ صور لم يعد قضيةً مناطقيةً، بل قضيةً وطنيةً بامتياز.

فسقوط صور لا يعني سقوط مدينة واحدة، بل سقوط جزء من روح لبنان وتاريخه وهويته.

أما إنقاذها، فهو بداية استعادة فكرة الدولة نفسها.

الدولة التي تحمي أبناءها، بدلًا من الدويلة التي تودّعهم في كل مرة على طرقات النزوح.

والدولة التي تجعل من الجنوب مساحةً للحياة، لا دويلةً للموت.

فمدينة صور لا تطلب المستحيل. صور تطلب أن تبقى صور.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك