ويلك من غضب الأمهات و الأيتام والله يا “شيخ جحيم”

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

في لحظة تاريخية مليئة بالدمار والأسئلة، يحق للناس أن يرفعوا صوتهم عالياً بالعتب واللوم. يحق لهم أن يقولوا كفى. وأن يوجّهوا كلامهم مباشرة إلى نعيم قاسم وإلى قيادة حزب الله. ماذا فعلتم بالناس؟ وكيف تحولت البيئات التي قيل إنها محمية إلى ساحات مفتوحة للقتل والخراب؟

لقد قيل للناس إن هذا الطريق هو طريق القوة والكرامة. قيل لهم إن التضحيات ستصنع الأمان، وإن السلاح سيحمي القرى والبيوت والأطفال. لكن الواقع الذي يراه الجميع اليوم شيء آخر تماماً، بيوت مهدمة، قرى خائفة، عائلات تبحث عن مأوى، وشباب يُدفعون إلى الموت بينما الفقر يزداد والخراب يتمدد.

يا شيخ نعيم، ليس العتب هنا عتب خصوم سياسيين، بل عتب أبناء البيئة نفسها. عتب أمهات فقدن أبناءهن، وآباء دفنوا أحلامهم تحت الركام، وعائلات تشردت من أرضها وبيوتها. هؤلاء لم يكونوا مشاريع حروب ولا أرقاماً في بيانات. كانوا بشراً وثقوا بكم، وصدّقوا خطاباتكم، وانتظروا أن تحموهم لا أن يجدوا أنفسهم في قلب العاصفة.

كم مرة قيل إن هذه المعركة ضرورية؟ وكم مرة قيل إن التضحيات ثمن لا بد منه؟ لكن السؤال الذي لم يعد أحد قادراً على تجاهله هو، من الذي دفع الثمن فعلاً؟ هل دفعه أصحاب القرار أم دفعه الفقراء والبسطاء الذين يعيشون في القرى والأحياء المنسية؟

لقد تحولت البيئة التي قيل إنها محصّنة إلى بيئة منهكة، محاصرة بالخوف والدمار. أبناء الطائفة الذين قيل إنهم محميون وجدوا أنفسهم أكثر الناس تعرضاً للخطر. والوطن الذي قيل إن السلاح يحميه أصبح يعيش على حافة الانهيار السياسي والاقتصادي والأمني.

يا شيخ نعيم، إن القيادة ليست خطابات حماسية تُقال أمام الكاميرات، وليست شعارات كبيرة تُرفع في زمن التعبئة. القيادة مسؤولية ثقيلة أمام الناس. مسؤولية أمام طفل يسأل لماذا تهدم بيته، وأمام أمّ تنتظر خبراً عن ابنها، وأمام مجتمع كامل يشعر أنه دفع ثمناً يفوق طاقته.

العتب اليوم ليس مجرد اختلاف سياسي، بل صرخة ضمير. صرخة تقول إن الناس تعبوا من الحروب المفتوحة، وتعبوا من أن يكونوا وقوداً لصراعات أكبر منهم. تعبوا من أن تُتخذ القرارات باسمهم بينما هم أول من يدفع الثمن.

والحقيقة القاسية التي لا يمكن إنكارها أن الفقراء هم من حمل العبء الأكبر. هم الذين خسروا البيوت والأرزاق والأبناء. هم الذين وجدوا أنفسهم بين التهجير والخوف والفقر، بينما الوعود التي سمعوها لسنوات طويلة لم تتحول إلى أمان ولا إلى استقرار.

هذه رسالة عتب قاسية، نعم. لكنها أيضاً دعوة لمراجعة صادقة. مراجعة تعترف بأن كرامة الناس لا تُحمى بتعريضهم للخطر، وأن المجتمعات لا تُصان بزجّها في الحروب المتكررة، وأن الطائفة ليست درعاً يُستخدم في الصراعات، بل مجتمع من البشر يستحق الحياة والطمأنينة.

سيأتي يوم يسأل فيه التاريخ سؤالاً بسيطاً لكنه موجع، هل حُمِي الناس فعلاً؟ أم أنهم كانوا دائماً أول من يدفع الثمن؟

وذلك السؤال، مهما طال الزمن، لن يختفي. بل سيبقى شاهداً على زمنٍ دفع فيه الفقراء كلفة قرارات لم يختاروها، بل ان الولي الفقيد هو من اختارها.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك