تحت السكّين
المسألة ليست موت الأدب، بل "إبادة" علاقتنا المادّيّة بالذاكرة والجمال والزمن.
–
في “إنجيل شخصيّ”، وهو الديوان الذي كتبتُ فيه “مانيفست لآخر الكون” بعد 9/11/2001 ولم أنشره إلّا في العام 2008، كنتُ “تنبّأتُ” بمصيرٍ أبوكاليبتيّ للجنس البشريّ، لأسبابٍ تتعلّق بعبثيّة التوحّش الإنسانيّ مطلقًا. الآن، يتولّى الذكاء الاصطناعيّ، على أيدي صانعيه، رسم نهايةٍ عدميّةٍ محتملة، لكنْ “ذكيّة”، ومن منطلقاتٍ أخرى.
قرأتُ كلامًا مخيفًا لجيفري هينتون، “الأب الروحيّ” للذكاء الاصطناعيّ في برنامج “نيوزنايت” على هيئة الإذاعة البريطانيّة، عن احتمالٍ نسبتُهُ “عشرة في المئة” لاختفاء الإنسان، من طريق “إبادة نفسه بذكائه الاصطناعيّ” خلال فترةٍ أقصاها عشر سنين. إذ اعتبر أنّ الخطر الأساسيّ يكمن في احتمال ظهور أنظمةٍ (اصطناعيّة) تفوق الإنسان ذكاءً بكثير، ممّا يجعل السيطرة عليها بالغ الصعوبة، إنْ لم يكن مستحيلًا.
يقلقني هذا التهديد الوجوديّ، والتفلّت المركنتيليّ، اللّاأخلاقيّ والأرعن، الذي يستولي على مشغِّلي الذكاء الاصطناعيّ وشركاته، مثلما تقلقني “أهداف” شركة “أنثروبيك” التي نفّذت مشروعًا داخليًّا، project panama، يقوم على شراء أعدادٍ هائلة من الكتب الورقيّة، ثمّ نزع غُلُفها وتقطيع أوصالها ومسح صفحاتها ضوئيًّا لتحويلها إلى ملفّاتٍ رقميّة وبياناتٍ لتدريب الذكاء الاصطناعيّ، قبل تنفيذ “المحرقة الذكيّة” للنسخ الورقيّة. وقد أثارت العمليّة اعتراضات ثقافيّة وأخلاقيّة لكتّاب وناشرين رأوا فيها “إبادة” لكينونة الكتاب، الذي هو كائنٌ ثقافيّ، معنويّ ومادّيّ، قيمتُهُ تتجاوز الكلمات التي يضمّها، وليس مجرّد “نصّ” يمكن استخراجه، بحيث تنتفي الحاجة في ما بعد إلى كيانه المادّيّ.
أحبّ أنّ تعرفوا أنّي خائفٌ على “إنسان الكتاب”، وتتفهّموا قلق القارئ والكاتب اللذين ارتبطت حياتهما بالقراءة والكتابة، بوصف هذين حياةً وكينونةً؛ كيانًا، وجسمًا، وشكلًا، وشيئًا مادّيًّا من ورق وغلاف وحبر وطباعة و… رائحة، بقدر ما هما نصٌّ ومعنى.
القلق الحقيقيّ ليس موت النصّ (الشعر)، بل انفصاله عن جسده. فالكتاب الورقيّ ليس مجرّد حاملٍ للنصّ. إنه زمن، ومكان، وذاكرة حسّيّة، بل حياة إنسانيّة كاملة: رائحة الورق، شكل الصفحة، أثر العينين على الكلمات، القلم على الهامش، الطبعة الأولى، الغلاف الذي اصفرّ مع السنوات؛ كلّها عناصر تشارك في صناعة المعنى. النصّ يبقى (في معنى ما) عندما يصير مادّةً تُمتَصّ داخل نماذج إحصائيّة عملاقة، لكنْ تختفي طبقته الوجوديّة (الجسمانيّة، المادّيّة، الورقيّة) التي كانت تربطه بالعالم.
في ثقافة الأثر، الكتاب كائنٌ يبقى. في ثقافة التدفّق الخوارزميّ، تتحوّل النصوص بياناتٍ عابرة. يصبح النصّ حدثًا أكثر منه أثرًا.
ينبع خوفي، ليس لأنّ الذكاء الاصطناعيّ سيمنع الكتب، بل لأنّه قد يخلق عالمًا لا تعود فيه الكتب هي المركز الرمزيّ للثقافة.
أريد أنْ أظلّ أعتقد (هيهات!)، رغم اجتياح الذكاء الاصطناعيّ والعالم الافتراضيّ وهيمنة الشاشات، أنّ ثمّة في مكانٍ ما، “مكانًا” للمكتبات العامّة والوطنيّة، للكتب، والطبعات المحدودة، والمكتبات المنزليّة، ودفاتر الكتابة اليدويّة.
ترى، هل كلّما ابتعد الإنسان عن المادّة، اشتاق إليها أكثر؟!
قد يكون السؤال الأعمق، ليس هل يموت الكتاب الورقيّ، بل هل تعيش القصيدة بلا جسد؟
هذا هو موضع القلق الحقيقيّ. فالقصيدة ليست كلمات فقط. إنّها أيضًا الصفحة التي تسكنها، والفراغ الأبيض حولها، والكتاب الذي يضمّها، واليد التي تقلّب أوراقه. قد تستطيع الخوارزميّات أن تتعامل مع الكلمات، لكنّ علاقتها بالجسد الماديّ للقصيدة تختلف جذريًّا عن علاقة القارئ الذي يفتح كتابًا ويعيش معه سنوات.
المسألة ليست موت الأدب، بل “إبادة” علاقتنا المادّيّة بالذاكرة والجمال والزمن.
يشعر عشّاق الورق بأنّ شيئًا أساسيًّا من التجربة الإنسانيّة، ومن الإنسان نفسه، بات موضع سؤال.
يجب أنْ نخاف حقًّا لأنّ الكتاب، وإنسانَه، بل الإنسان مطلقًا، بات تحت السكّين. وقريبًا.