رسالة الى دولة الرئيس… كم من لبنان سيبقى قابلاً للإصلاح إذا انتظرنا أكثر؟
إذا بقيت الأزمة المصرفية من دون حل واضح وعادل وقابل للتنفيذ، فإن قضية الودائع لن تبقى مجرد أزمة مالية، بل ستتحوّل إلى أزمة ثقة تمتد عبر جيل كامل...
خاص بوابة بيروت
كل عام يضيع قبل الإصلاح تجعل كلفة الإصلاح النهائي أكبر. لم يعد السؤال في لبنان، هل يستطيع البلد أن يتحمّل سنة إضافية من التأجيل؟ السؤال الأخطر هو، ماذا سيصبح لبنان إذا تحوّل غياب الإصلاح من حالة مؤقتة إلى نموذج دائم للحكم والاقتصاد؟ ما يجري الآن هو غاية الخطورة، تتراجع الدولة تدريجياً، يتكيّف الناس مع غيابها، تصبح الاستثناءات قواعد، ويُعاد تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية حول مؤسسات لم تعد تؤدي وظائفها الأصلية.
لبنان لم يعد يقف أمام أزمة نظرية. فالبنك الدولي يقدّر أن الاقتصاد اللبناني خسر قرابة 40% من حجمه الحقيقي منذ بداية الأزمة عام 2019، فيما أظهرت دراسة الفقر أن نسبة الفقر بلغت 44% من السكان ضمن المناطق التي شملها المسح في عام 2022، وأن ثلث اللبنانيين تقريباً في تلك المناطق أصبحوا تحت خط الفقر. وبعد مؤشرات تعافٍ محدودة خلال عام 2025، أدت التطورات الأمنية في 2026 إلى انتكاسة جديدة، ويتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد الحقيقي بنحو 6.4% خلال هذا العام. وفي الوقت نفسه، لا يزال الدين العام غير مستدام، والقطاع المصرفي شديد الضعف، فيما تبقى ملفات أساسية في إعادة هيكلة النظام المالي واستعادة الودائع غير مكتملة.
لكن المشكلة الحقيقية ليست فقط في الأرقام. المشكلة هي ما يمكن أن يحدث للمجتمع والدولة إذا أصبحت هذه المؤشرات هي الواقع الطبيعي الجديد.
الانتقال إلى أزمة أعمق
تُظهر التجارب الدولية أن تأجيل الإصلاح لا يعني المحافظة على الوضع القائم. في الاقتصادات المأزومة، الوضع القائم نفسه يتدهور مع الوقت. رأس المال يخرج، المستثمر يؤجل قراره، الكفاءات تهاجر، المؤسسات تفقد قدراتها، والبنية التحتية تتآكل. وكل سنة تمر من دون معالجة جذرية تجعل العلاج اللاحق أكثر صعوبة وكلفة.
هذا بالضبط ما حذّر منه البنك الدولي في الحالة اللبنانية عندما وصف في وقت سابق ما يحصل بأنه تطبيع مع الأزمة، مشيراً إلى أن الاعتماد المتزايد على الاقتصاد النقدي المدولر، بدلاً من وضع سياسات نقدية جديدة تعتمد على العملة الوطنية، ثم إصلاح القطاع المصرفي، لا يمثل استقراراً حقيقياً. الاقتصاد النقدي قد يسمح للناس بالاستمرار في حياتهم اليومية، لكنه يضعف قدرة الدولة على إدارة السياسة النقدية والمالية، ويزيد الاقتصاد غير الرسمي والتهرب الضريبي، ويقوّض دور النظام المصرفي في تمويل الاقتصاد. وهنا تكمن إحدى أخطر النتائج المحتملة لغياب الإصلاح، أن يبقى لبنان قادراً على العيش، لكنه يفقد تدريجياً القدرة على النمو.
يمكن للمطاعم أن تفتح، وللسياح أن يأتوا في موسم جيد، وللتحويلات أن تصل من المغتربين، وللأسواق أن تعمل بالدولار النقدي. لكن الاقتصاد الحديث لا يُبنى فقط على الاستهلاك والتحويلات والسياحة. يحتاج إلى مصارف قادرة على الإقراض، وإلى شركات تستطيع تمويل توسعها، وإلى دولة قادرة على الاستثمار، وإلى نظام قضائي وتنظيمي يحمي العقود، وإلى بنية تحتية يمكن الاعتماد عليها.
ولهذا يكرّر صندوق النقد الدولي أن إعادة هيكلة المصارف ليست قضية تقنية تخص المصرفيين وحدهم، بل شرط لإعادة الائتمان إلى القطاع الخاص، والخروج من الاقتصاد النقدي، واستعادة الثقة، وحماية المودعين إلى أقصى حد ممكن.
وماذا عن أموال المودعين؟
إذا بقيت الأزمة المصرفية من دون حل واضح وعادل وقابل للتنفيذ، فإن قضية الودائع لن تبقى مجرد أزمة مالية، بل ستتحوّل إلى أزمة ثقة تمتد عبر جيل كامل.
وإذا لم تتم استعادة الثقة بالنظام المصرفي، فإن اللبناني الذي يملك المال سيبقي جزءاً كبيراً منه خارج المصارف أو خارج البلاد. والمستثمر سيتردد في إدخال رأس مال طويل الأمد. والشركات ستعتمد أكثر على التمويل الذاتي والنقد. وهذا يعني اقتصاداً يعمل، لكنه يعمل بأقل من قدرته الطبيعية.
وقد شدد صندوق النقد في سبتمبر 2026 على أن استكمال إصلاح القطاع المصرفي يتطلب تطوير قانون الاستقرار المالي واستعادة الودائع بما يتوافق مع المعايير الدولية، وبما يحقق أكبر حماية ممكنة للمودعين مع الحفاظ على الاستدامة المالية. إن تأجيل الحل لا يعيد الودائع. التأجيل يؤجل فقط تحديد كيفية توزيع الخسائر ومن يتحملها، بينما تستمر الخسائر الاقتصادية والاجتماعية في التراكم.
سريلانكا: عندما تنفد هوامش التأجيل
ربما تكون تجربة سريلانكا من أوضح الأمثلة الحديثة على ما يحدث عندما تتراكم الاختلالات سنوات من دون معالجة كافية. فقد دخلت البلاد الأزمة مع دين مرتفع، واحتياطات ضعيفة، واختلالات مالية وهيكلية، ثم خسرت القدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية. وبحلول عام 2022، استنزفت احتياطاتها إلى درجة أدت إلى نقص حاد في الوقود والأدوية والسلع الأساسية، واضطرت إلى تعليق خدمة دينها الخارجي.
لم تكن النتيجة مجرد أرقام مالية. البنك الدولي يقدّر أن نحو نصف مليون وظيفة قد فُقدت، وأن الفقر تضاعف تقريباً بين 2021 و2022، بينما أدى التضخم وانخفاض قيمة العملة إلى تراجع حاد في مستوى معيشة السكان. الدرس بالنسبة إلى لبنان ليس أن البلدين متطابقان، فلكل منهما ظروفه السياسية والاقتصادية المختلفة. لكن المبدأ واحد، حين تفقد الدولة هوامشها المالية والنقدية واحداً تلو الآخر، تصبح الصدمات الخارجية التي كان يمكن احتواؤها سابقاً أزمات وطنية كبرى.
وهذا مهم جداً للبنان لأنه بلد شديد التعرض للصدمات الإقليمية، ويعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد والتحويلات والسياحة والتدفقات الخارجية. كلما بقيت الدولة أضعف مالياً ومؤسساتياً، أصبحت قدرة البلد على امتصاص الصدمة التالية أصغر.
الأرجنتين: أخطر ما في الأزمة أن تعود دائماً
أما التجربة الأرجنتينية فتحمل درساً مختلفاً. الأرجنتين لم تفتقر إلى برامج الإصلاح عبر تاريخها الحديث، لكنها عانت مراراً من عدم استمرارية السياسات ومن اختلالات مالية ونقدية عادت للظهور. ويشير صندوق النقد في تقييماته إلى أن ضعف الانضباط المالي، وفقدان الاحتياطات، وارتفاع التضخم، وتأخر معالجة الاختلالات أدى في مراحل مختلفة إلى أزمات متكررة وعميقة. وفي أزمة 2001 و2002، دخلت البلاد في واحدة من أقسى أزماتها الاقتصادية بعد التعثّر عن سداد الدين وانهيار النشاط الاقتصادي. وهنا يوجد درس ربما يكون أكثر صلة بلبنان، وهو الخروج الجزئي من الأزمة ليس كافياً إذا بقيت أسبابها الأساسية قائمة.
يمكن للاقتصاد أن ينتعش سنة أو سنتين. يمكن السياحة أن ترتفع. ويمكن العملة أن تستقر فترة. لكن إذا بقي القطاع المصرفي معطلاً، والدين بلا معالجة، والمالية العامة هشة، والمؤسسات عاجزة عن تنفيذ السياسات، فإن البلد يبقى معرضاً للعودة إلى نقطة الصفر عند أول أزمة جديدة. وهذا ما يجعل أي تعافٍ لبناني من دون إصلاح مؤسسي ومالي تعافياً هشاً، لا تحولاً اقتصادياً حقيقياً.
اليونان: الإصلاح المتأخر أكثر كلفة من الإصلاح المبكر
تقدم اليونان درساً آخر. أزمتها المالية تطلبت سنوات طويلة من التكيف وإعادة بناء المؤسسات وإصلاح المالية العامة والنظام الضريبي. عملية الإصلاح لم تكن سريعة ولا سهلة، لكنها تظهر أيضاً أن الدول تستطيع استعادة قدرتها عندما تنتقل من إدارة الأزمة إلى تغيير المؤسسات التي أنتجتها.
صندوق النقد يشير اليوم إلى تحسّن كبير في وضع اليونان المالي، وتراجع نسبة الدين العام بشكل ملحوظ عن ذروتها، وتحسّن الإدارة الضريبية، وانخفاض التهرّب واتساع القاعدة الضريبية. لكن ذلك جاء بعد سنوات طويلة من الأزمة والتضحيات الاقتصادية والاجتماعية. الدرس ليس أن لبنان يجب أن يقلد اليونان، بل أن كل سنة تضيع قبل الإصلاح تجعل كلفة الإصلاح النهائي أكبر.
لبنان الذي قد ينشأ من دون إصلاح
إذا بقيت الأمور على حالها لسنوات إضافية، فإن الخطر الأكبر ليس أن يستيقظ اللبنانيون يوماً ليجدوا أن الدولة اختفت. الخطر أن ينشأ بالتدريج نموذج جديد للبنان يتعايش الجميع معه وكأنه طبيعي.
اقتصاد نقدي ومدولر إلى حد كبير. مصارف موجودة شكلياً لكن دورها في تمويل الاقتصاد محدود. دولة تجبي قليلاً وتنفق قليلاً وتقدم خدمات أقل. بنية تحتية تعتمد بصورة متزايدة على الحلول الفردية. تعليم وطبابة بجودة مرتبطة بقدرة العائلة على الدفع. تحويلات المغتربين تتحول من دعم للعائلات إلى أحد أعمدة الاقتصاد. والاستثمار المنتج يصبح أقل جاذبية من التجارة والعقار والنشاط قصير الأجل.
والفجوة عندها لن تكون بين الغني والفقير فقط، بل بين من يملك الوصول إلى الدولار والخدمات الخاصة والشبكات الخارجية، ومن يعتمد على الدولة ودخله المحلي. وقد أظهر البنك الدولي بالفعل أن توسع الاقتصاد المدولر خلق فروقاً واضحة بين الأسر التي تتقاضى بالدولار وتلك التي لا تستطيع ذلك.
ومع مرور الوقت يظهر الخطر الأكثر صعوبة في التعويض، رأس المال البشري.
حين يهاجر الطبيب والمهندس والباحث ورائد الأعمال والشاب المتعلّم لأنهم لا يرون أفقاً اقتصادياً ومؤسسياً واضحاً، فإن لبنان لا يخسر مواطناً فقط. يخسر سنوات من التعليم والخبرة والاستثمار البشري. وفي تقريره الأخير، حذّر البنك الدولي من أن تدمير رأس المال المادي، وتعطيل التعليم والصحة، وخروج أصحاب المهارات يمكن أن يترك آثاراً طويلة الأمد على القدرة الإنتاجية والنمو في لبنان.
هنا تصبح الهجرة مختلفة عن الهجرة اللبنانية التاريخية التي كثيراً ما ولّدت شبكات اقتصادية ومالية قوية مرتبطة بالوطن. الخطر هو أن تتحوّل الهجرة من انتشار لبناني في العالم إلى انسحاب تدريجي من لبنان.
الأزمة الأخطر هي أن يتوقف اللبنانيون عن انتظار الدولة
هناك مرحلة اقتصادية في الأزمات، لكن هناك أيضاً مرحلة نفسية ومؤسساتية أخطر. تبدأ عندما يتوقف المواطن عن مطالبة الدولة بخدمة ما، لأنه لم يعد يتوقع منها شيئاً. يشتري الكهرباء بنفسه، ويؤمّن المياه، والتعليم، والطبابة، والتقاعد، والتأمين، والأمن الاقتصادي، وحتى فرص العمل من خارج منظومة الدولة. ومع مرور السنوات، يفقد مفهوم المرفق العام معناه.
عندها لا تصبح المشكلة فقط أن الدولة ضعيفة. تصبح المشكلة أن المجتمع نفسه تعلم كيف يعيش من دونها. وهذا يصعب إصلاحه أكثر من عجز الموازنة، لأن بناء الثقة يحتاج إلى سنوات، وربما إلى جيل كامل.
لبنان لن يختفي، ولكن أي لبنان سيبقى؟
قد لا يكون السيناريو الأكثر واقعية هو انهيار لبنان الكامل. التاريخ اللبناني يظهر قدرة استثنائية للمجتمع والقطاع الخاص والاغتراب على إبقاء البلد يعمل حتى في أصعب الظروف. لكن هذه القدرة نفسها قد تتحوّل إلى مشكلة إذا أصبحت بديلاً دائماً عن الإصلاح.
فالتحويلات يمكن أن تمنع عائلة من الفقر، لكنها لا تبني شبكة كهرباء وطنية. والسياحة يمكن أن تنعش موسماً، لكنها لا تعيد هيكلة المصارف. والمغترب يستطيع تمويل تعليم أبنائه، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح الجامعة الرسمية. والقطاع الخاص يستطيع إنتاج الكهرباء لمؤسسة، لكنه لا يستطيع بناء سياسة طاقة وطنية. والمجتمع يستطيع أن يعوّض ضعف الدولة فترة طويلة، لكنه لا يستطيع أن يكون الدولة إلى الأبد.
اليوم يقول صندوق النقد إن لبنان يحتاج إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستدامة مالية ودين قابل للاستمرار، وسياسة نقدية موثوقة، وحوكمة وشفافية أفضل، وإصلاح المؤسسات والشركات العامة. والبنك الدولي يربط بدوره القدرة على جذب تمويل إعادة الإعمار والاستثمار بالتقدم المستمر في الإصلاح. هذه ليست وصفة سياسية لحزب أو حكومة، بل خلاصة المؤسسات الدولية التي درست التجربة اللبنانية وتجارب دول أخرى.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يواجهه لبنان ليس فقط، متى سيبدأ الإصلاح؟
السؤال الحقيقي هو، كم من لبنان سيبقى قابلاً للإصلاح إذا انتظرنا أكثر؟
لأن الدول تستطيع استعادة العملة، وإعادة هيكلة الدين، وإصلاح المصارف، وإعادة بناء الطرق والكهرباء. لكن الأصعب بكثير هو استعادة جيل هاجر، ومستثمر فقد ثقته، ومودع لم يعد يؤمن بالمؤسسة المصرفية، ومواطن اعتاد أن يعيش حياته كاملة خارج الدولة.
وإذا كان لبنان قد أمضى السنوات الماضية في محاولة النجاة من الانهيار، فإن السنوات المقبلة ستحدد شيئاً مختلفاً تماماً، هل سيبقى بلداً يدير أزمته، أم يعود بلداً يبني مستقبله؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير