نصر الله… الفرصة التي أضاعها والسؤال الذي تركه لخلفه
بدلاً من استثمار التحرير في بناء دولة قوية، بقي لبنان أسير مواجهة دموية مدمرة مفتوحة مع إسرائيل، فيما تعاظم ارتباط حزب الله بإيران وبشبكة حلفائها، أذرعها، الإقليميين. وكان اللبنانيون في كل مرة يدفعون الثمن. حرب 2006، ثم السابع من أيار 2008، ثم القتال في سوريا نصرةً لنظام الاسد، ثم تعطيل المؤسسات والفراغ الرئاسي، وصولاً إلى فتح جبهة الجنوب في 8 تشرين الأول 2023 «إسناداً لغزة»، من دون قرار من الحكومة اللبنانية أو مؤسسات الدولة...
خاص بوابة بيروت
ربما كانت أكبر خطيئة سياسية ارتكبها حسن نصر الله أنه أضاع، عام 2000، فرصة تاريخية كان يمكن أن تغيّر مصير لبنان ومصيره معاً. انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها، وكان يمكن لحزب الله يومها أن يقول انتهت المهمة، عدنا إلى الدولة، السلاح للجيش، والسيادة للجمهورية، والسياسة للبنانيين. كان يمكن لنصر الله أن يعود إلى لبنانيته. لكنه لم يفعل. احتفظ الحزب بسلاحه، فتحولت «المقاومة» من حالة مرتبطة باحتلال إلى مشروع دائم، وتحول الاستثناء إلى قاعدة، والسلاح إلى مؤسسة موازية للدولة، ولبنان إلى ساحة متقدمة في صراع إقليمي أكبر منه. ألِأنَّه لم يكن يوماً لبنانياً؟
ومن هنا بدأت المأساة. فبدلاً من استثمار التحرير في بناء دولة قوية، بقي لبنان أسير مواجهة دموية مدمرة مفتوحة مع إسرائيل، فيما تعاظم ارتباط حزب الله بإيران وبشبكة حلفائها، أذرعها، الإقليميين. وكان اللبنانيون في كل مرة يدفعون الثمن. حرب 2006، ثم السابع من أيار 2008، ثم القتال في سوريا نصرةً لنظام الاسد، ثم تعطيل المؤسسات والفراغ الرئاسي، وصولاً إلى فتح جبهة الجنوب في 8 تشرين الأول 2023 «إسناداً لغزة»، من دون قرار من الحكومة اللبنانية أو مؤسسات الدولة.
وهنا جوهر المشكلة، حزب واحد امتلك القدرة على إلزام وطن كامل بنتائج قرارات لم يتخذها هذا الوطن. لكن السلاح لم يكن وحده المشكلة. هناك أيضاً ذاكرة الدم. في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لا نتحدث عن إشاعة او اتهام سياسي. المحكمة الخاصة بلبنان أدانت “الحزبلاويين” سليم عياش وحسن حبيب مرعي وحسين حسن عنيسي في واحدة من أخطر الجرائم السياسية اللبنانية.
ثم توالت في تلك المرحلة الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي استهدفت شخصيات مناهضة للمحور السوري ـ الإيراني. ثم جاء التعطيل. بقيت الجمهورية بلا رئيس نحو سنتين ونصف السنة قبل انتخاب ميشال عون عام 2016. كان اللبنانيون أمام معادلة أصبحت مألوفة: تعطَّل المؤسسات، استنزف الوقت، انتظر البلد، إلى أن أنتجت التسوية الرئيس الذي أصر حزب الله على وصوله. إنها ممارسة القوة من خارج نصوص الدستور، ليس ضرورياً دائماً أن تستولي على الدولة، يكفي أحياناً أن تجعلها عاجزة عن العمل من دون إردة الناس والشعب، مصدر السلطات.
ثم جاء الرابع من آب 2020. انفجر مرفأ بيروت، فقتل أكثر من مئتي شخص ودمّر جزءاً من العاصمة. لا يوجد حتى اليوم حكم قضائي يثبت أن حزب الله أدخل نيترات الأمونيوم أو خزّنها، صحيح، لكن ماذا عن سلوك الحزب تجاه التحقيق؟ ماذا عن المواجهة السياسية مع المحقق العدلي؟ وماذا عن التظاهرة ضد القاضي طارق البيطار التي انتهت بـِ”غزوة عين الرمانة”؟
حتى البحث عن الحقيقة في أكبر انفجار عرفته العاصمة تحول إلى ساحة صراع. وهكذا عاش لبنان معادلة تتكرر بأسماء مختلفة: ماذا تفعل الدولة عندما يقول حزب الله «لا»؟ وما زاد الأمر خطورة أن نصر الله لم يبنِ قوة عسكرية وسياسية فقط، بل بنى سردية كاملة. امتزج الديني بالسياسي، والحزب بالمقاومة، والمقاومة بالطائفة، والطائفة بالقائد. صار نقد السلاح عند جمهوره خيانة، ونقد الحزب استهدافاً للطائفة، ومساءلة القائد مساساً بالمقدس. وهكذا لم يُصادر القرار وحده، بل كادت تُصادر اللغة التي يُناقش بها القرار.
كانت إيران حاضرة في صميم هذه المنظومة. فحزب الله لم يُخفِ علاقته العقائدية والسياسية والعسكرية والمالية بطهران، وتحول إلى أحد أبرز أركان نفوذها الإقليمي، ومن أقوى أوراق التفاوض دولياً. ومن سوريا إلى ساحات المنطقة، أصبحت حدود المشروع أوسع بكثير من حدود لبنان. وهنا نعود إلى عام 2000. كان يمكن للتحرير أن يكون نهاية الحرب وبداية الدولة. لكنه أصبح فرصة ضائعة.
وبعد ثلاثة وعشرين عاماً، فتح الحزب جبهة الجنوب دعماً لغزة، ثم دخل لبنان مجدداً في دورة الحرب والدمار والنزوح. واليوم، ما زالت مسألة سلاح حزب الله في قلب المواجهة السياسية والأمنية، فيما تعثرت ترتيبات تقضي بنزع سلاحه وانتشار الجيش وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً، مع استمرار رفض “الحزب” التخلي الكامل عن سلاحه، أو ما بقي منه، في ظل الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية.
وهنا يأتي السؤال الذي ربما يكون أهم من كل ما سبق، هل يمكن لاغتيال حسن نصر الله أن يصبح لحظة وعي داخل حزب الله؟ هل يستطيع من بقي من قادته أن ينظر إلى أربعة عقود من الحروب والدم والدمار ويسأل السؤال الذي تأخر كثيراً، أما آن لنا أن نعود لبنانيين؟ لا تابعين لمعادلات طهران، ولا جزءاً من ساحاتها، ولا حراساً لجبهة إقليمية مفتوحة، بل لبنانيين يعيشون تحت دستور واحد، ويحمل سلاحهم جيش واحد، وتقرر حربهم وسلمهم دولة واحدة؟
أم أن “الحزب” سيصرّ على البقاء كما عرفه لبنان طوال العقود الماضية، دولة داخل الدولة، وسلاحاً فوق المؤسسات، وقراراً يستنزف من السيادة كل يوم قطعة جديدة؟ هل يمتلك قادته شجاعة القرار الأصعب، أن يخرجوا من عباءة نصر الله بدلاً من تحويلها إلى ضريح سياسي دائم؟
فالمطلوب ليس تغيير الأمين العام باسم آخر، ولا إعادة إنتاج السردية نفسها بصور جديدة. السؤال أعمق، هل يستطيع حزب الله أن يتخلى عن السلاح المستقل وعن فكرة أن له حقاً في تقرير مصير لبنان خارج الدولة؟ وإذا كان الجواب لا، فسيصبح السؤال اللبناني العارم أكثر واقعية، هل كانت مشكلة لبنان مع شخص اسمه حسن نصر الله، أم مع منظومة كاملة، حزب مسلح، وعقيدة سياسية عابرة للحدود، وسردية تبرر دوام السلاح، وثقافة تجعل الدولة أقل شأناً من «المقاومة»؟ وهل يستطيع لبنان الخارج منذ نهاية الحرب الأهلية باحثاً عن دولة لم تكتمل، أن يعرف الاستقرار ما دامت هذه الازدواجية قائمة؟
صارت ذكرى نصر الله محاطة بهالة من القداسة والرمزية. وسيقال الكثير عن «السيد» و«القائد» و«الشهيد». لكن لبنان ليس ضريحاً لأحد. لبنان دولة، أو يفترض أن يكون. ولعل اللحظة التي أعقبت نصر الله كانت فرصة الحزب الأخيرة كي يفهم ما لم يفهمه عام 2000، أن يعود إلى لبنان، وأن يختار الدولة على المحور، والوطن على الساحة، والمواطن على المقاتل، والدستور على السلاح.
وإلا فإن السؤال لن يعود، متى ينتهي إرث نصر الله؟ بل سيصبح، كم مرة أخرى يجب أن يُدمَّر لبنان قبل أن تنتهي المعادلة التي جعلته ساحةً لحروب الآخرين؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير