قطار بربارة : بين مشروع صغير وحلم كبير… انتقادات تتعالى وأمل يتحرّك

وراء القطار الذي انطلق أسماء وأيدٍ عملت، ومن حقها أن تُذكر. شهد حفل الإطلاق تكريم المهندس نيكولا أبو شعر، صاحب شركة «فانوس»، مصمم القطار ومصنّعه، وجان مفرج وفريقه الذين عملوا لإنجاز التصنيع، إلى جانب كارلوس نفاع عن «تران تران»...

خاص بوابة بيروت

في لبنان، حيث أثقلت الحروب والأزمات قلوب الناس، قد يكفي مشهد بسيط ليوقظ فرحًا افتقدناه طويلًا: قطار يتحرّك على سكة قديمة، طفل يلوّح من نافذته، وجدّ يستعيد حكاية رحلة عاشها قبل سنوات. من البربارة، عادت هذه الذاكرة إلى الحياة مع إطلاق القطار الكهربائي اللبناني الصنع «BaraTrain» في التاسع من تشرين الأول 2026، بمبادرة جمعت بلدية البربارة والمؤسسة العامة لسكك الحديد والنقل المشترك، وبرعاية وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني.

قد يبدو المشروع صغيرًا أمام احتياجات البلد، لكن الناس التي تنتظر أي خبر يفرح قلبها تعرف قيمة هذه البدايات. أن نرى فكرة تتحوّل إلى شيء يتحرّك أمامنا، وأن نرى أيديًا لبنانية تصنع وتنجز وسط الظروف الصعبة، يعيد إلينا بعض الثقة بأن الحياة في هذا الوطن ما زالت تستحق العمل.

حين كان القطار يصل المناطق ببعضها

تبدأ حكاية السكك الحديدية اللبنانية الحديثة في الثالث من آب 1895، مع افتتاح خط بيروت – رياق – دمشق، خلال الحكم العثماني. ربط هذا الخط الساحل بالجبل والبقاع والداخل السوري، وحمل معه حركة جديدة للتجارة والسفر. وكان عبور جبال لبنان إنجازًا هندسيًا احتاج إلى مقاطع مسنّنة تساعد القاطرات على الصعود، وتجهيزات خاصة لمواجهة الثلوج في الشتاء.

من محطة مار مخايل في بيروت، امتدت الرحلة باتجاه بعبدا والجمهور وعاليه وبحمدون وصوفر، ثم ضهر البيدر، وصولًا إلى البقاع ورياق ومنها إلى دمشق. ارتبطت المحطات بحياة الناس، وبحركة المصطافين والتجار والعائلات. وفي صوفر خصوصًا، أسهم وجود المحطة في نمو الفنادق والنشاط السياحي، فيما اكتسبت بلدات جبلية أخرى جزءًا من هويتها حول السكة وحركة الوصول والمغادرة.

وفي رياق، أصبح القطار مصدر عمل وخبرة صناعية. احتضنت البلدة ورش الصيانة والمسبك، وصارت مركزًا مهمًا في الشبكة. افتُتح خط رياق–بعلبك عام 1902، ثم امتد نحو حمص، بينما ربط خط آخر طرابلس بحمص منذ عام 1911. هكذا أسهمت السكك في وصل مناطق لبنان بمحيطها، وفي إعطاء مدنه وبلداته فرصًا اقتصادية جديدة.

أما المسار الساحلي الذي تنتمي إليه تجربة البربارة، فيعود إلى توسّع الشبكة خلال الحرب العالمية الثانية عام 1942، حين أُنشئ محور حيفا–بيروت–طرابلس عبر الساحل والناقورة. ويوثّق الأرشيف الأسترالي افتتاح خط بيروت–طرابلس في كانون الأول من ذلك العام. انطلاقة الشبكة اللبنانية كانت عام 1895، أما هذا الخط الساحلي فجاء لاحقًا.

كانت السكة تحمل إمكانية اللقاء بين مناطق مختلفة، وتربط المرافئ بالداخل، والأسواق بالمنتجين، والعائلات بوجهات سفرها. ومن هنا تأتي قيمتها في ذاكرة لبنان: بنية عامة يستطيع الناس أن ينتفعوا منها معًا.

سنوات الصمت… ومن أبقى الذاكرة حيّة

مع الحرب الأهلية، تضررت المنشآت وتعطلت حركة القطارات تدريجيًا. توقف خط بيروت–رياق في السبعينيات، فيما استمرت أو عادت خدمات محدودة على أجزاء أخرى قبل انحسار التشغيل في التسعينيات. لم يتوقف كل قطار في لبنان في يوم واحد، لكن البلاد وصلت إلى زمن أصبحت فيه المحطات والسكة حاضرتين، والقطار غائبًا عن الحياة اليومية.

كبرت أجيال تسمع عن القطار من أهلها وأجدادها، وترى آثاره بين الأبنية وعلى الشاطئ وفي الجبل. ومع الإهمال والتعديات، صار الحفاظ على المسارات نفسها ضرورة، لأن خسارتها تعني تضييق فرص إحياء النقل مستقبلًا.

ومع ذلك، بقي من يطالب ويشرح ويحفظ الذاكرة. تأسست جمعية «Train – Train Lebanon» عام 2005، وعملت على التعريف بالإرث السككي وتنظيم زيارات إلى المحطات القديمة وورش رياق، والمطالبة بإعادة تشغيل القطارات. وكان رئيسها كارلوس نفاعة من الأصوات التي ربطت عودة القطار بالاقتصاد وبإتاحة لقاء اللبنانيين من مناطق مختلفة.

هذه الجهود الطويلة تستحق التقدير. فالعمل على مشروع غائب عن الأولويات يحتاج إلى صبر، وإلى أشخاص يواصلون الإيمان به حتى حين لا يرون نتيجة سريعة. ويستحق العاملون والمتطوعون الذين أبقوا قضية السكك حيّة أن يجدوا اليوم من يحتضن جهودهم ويتيح لها أن تتقدم.

من صنع «بربارة تران»؟

وراء القطار الذي انطلق أسماء وأيدٍ عملت، ومن حقها أن تُذكر. شهد حفل الإطلاق تكريم المهندس نيكولا أبو شعر، صاحب شركة «فانوس»، مصمم القطار ومصنّعه، وجان مفرج وفريقه الذين عملوا لإنجاز التصنيع، إلى جانب كارلوس نفاعة عن «تران تران».

واجتمع هذا العمل مع مبادرة بلدية البربارة برئاسة جورج مفرج، ومتابعة المؤسسة العامة لسكك الحديد والنقل المشترك برئاسة مجلس إدارتها ومديرها العام المهندس زياد شيا، ودعم وزارة الأشغال العامة والنقل والشركاء. وأوضح الوزير أن إعادة استخدام المسار تطلبت إزالة تعديات ومعالجة عقبات، حتى أصبح تحريك القطار ممكنًا.

هنا تظهر قيمة التعاون حين يجد المواطن أثره أمامه: فكرة محلية، وخبرة في التصميم والتصنيع، وبلدية تحتضن، وإدارة تتابع، ووزارة تساعد على فتح الطريق. كل طرف يؤدي دوره، فتتحول المبادرة إلى واقع.

بين الانتقاد وحق الناس بالأمل

وفي الكلمة التي ألقاها خلال الحفل، عبّر الاستاذ زياد شيا عن المعنى الذي يحمله هذا الإنجاز: خطوة متواضعة في حجمها، كبيرة في رمزيتها، تعيد الحياة إلى مساحة أهملها الزمن وتفتح بابًا أمام عودة أوسع للقطار. وبحسب كلمته، حققت المبادرة استعادة جزء من السكة من الإهمال والتعدي، وتحفيز البلديات على حماية مساراتها، وإنجاز صناعة لبنانية لم تكلّف خزينة الدولة مالًا، وتشغيل قطار سياحي بالطاقة الشمسية، وإتاحة فرصة للجيل الجديد ليتعرّف إلى تراث أجداده.

وأرى في هذه المعاني ما يستحق أن نتوقف عنده قبل أن نحكم على المشروع من حجمه وحده. استعادة مساحة عامة، وإزالة عائق، وجمع أشخاص حول عمل نافع، هي خطوات تبني قدرة المجتمع على النهوض. وقد تحمل المبادرة الصغيرة أثرًا يتجاوز حدودها حين تشجّع بلدة أخرى على التحرك، أو تمنح شابًا الثقة بأن فكرته قابلة للتنفيذ.

من حق الناس أن تسأل عن السلامة والجدوى والاستمرارية، ومن واجب القائمين على المشروع أن يستمعوا ويشرحوا ويطوّروا. النقد الذي يقدّم معرفة أو حلًا يساعد المبادرة على النجاح. أما السخرية التي تحوّل جهد العاملين إلى مادة للاستهزاء، فقد تجرح روح المبادرة التي يحتاج إليها البلد.

والسؤال الذي أثارته كلمة شيا يبقى حاضرًا: هل نترك المساحات العامة للإهمال لأن إمكاناتنا محدودة، أم نبدأ بما نستطيع ونوسّع العمل تدريجيًا؟ بالنسبة إليّ، كل جهد صادق يعيد للناس منفعة أو فرحًا يستحق فرصة ودعمًا ومتابعة. لا نحتاج إلى انتظار اكتمال كل الظروف حتى نسمح للأمل أن يتحرّك.

ما الذي تحقق، وما المطروح اليوم؟

يمتد المسار المعلن لـ«BaraTrain» نحو 3.5 كيلومترات، من البربارة مرورًا بكفركدة وفغال وصولًا إلى جسر المدفون. وبحسب عرض الوزير، تتراوح السرعة التشغيلية بين 15 و20 كيلومترًا في الساعة، وتبلغ القدرة الاستيعابية نحو 45 راكبًا، مع عربتين للركاب. وقد قُدّم المشروع بوصفه تجربة سياحية وتوعوية، تتيح خصوصًا للطلاب اكتشاف القطار والإرث السككي.

وتحدث رسامني عن إمكان دراسة تمديد المسار في الاتجاهين بالتعاون مع البلديات المجاورة، بحسب الحاجة والجدوى ونتائج التشغيل. كما أشار إلى العمل على مشروع طرابلس–العبودية، بطول يقارب 35 كيلومترًا، لربط مرفأ طرابلس باتجاه الحدود السورية والشبكة الإقليمية. ويختلف هذا المشروع الاستراتيجي عن الرحلة السياحية المحلية، فيما تبقى العودة الأوسع للسكك مرتبطة باستكمال العمل والمتطلبات اللازمة للتشغيل.

أن يعود القطار ليمرّ في بلدات لبنانية كثيرة حلم يستحق أن نعمل له. يمكن أن تبدأ التجربة من مسارات محدودة، وأن تنمو وفق ما تكشفه نتائج التشغيل، مع حماية الأملاك العامة وفحص الجسور والسكك وتأمين الصيانة والسلامة والتمويل.

ومن الممكن أن تفتح هذه المبادرات فرصًا للسياحة المحلية: زيارة قرية، والتوقف عند سوقها، والتعرف إلى حرفها ومأكولاتها وتاريخها. هذه رؤية يمكن تطويرها مع الأهالي والبلديات، بحيث يشعر السكان بأن المشروع يضيف إلى حياتهم ويخدم منطقتهم.

خبر تركيا يفتح نافذة على أهمية السكك والاقتصاد

وفي اليوم نفسه، التاسع من تشرين الأول 2026، نقلت وكالة الأناضول افتتاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مقطع تشيركيزكوي–كابي كوله من مشروع هالكالي–كابي كوله. وتوضح وزارة النقل التركية أن هذا المقطع يبلغ 153 كيلومترًا، وأن اختصار رحلة الركاب بين هالكالي وكابي كوله إلى ساعة ونصف، ورحلة البضائع إلى ثلاث ساعات ونصف، مرتبط باكتمال الخط بجميع مراحله، مع استمرار الأعمال في مقاطع أخرى.

تذكّرنا هذه التجربة بأهمية التخطيط الطويل الأمد للنقل، وبقدرة السكك على ربط المدن والمرافئ والأسواق. وللبنان فرصة أن يبني على بداياته الحالية، مستفيدًا من خبراته ومن المسارات الموجودة، وفق رؤية تناسب حاجاته وإمكاناته.

ومن هنا، تنفتح أمام لبنان آفاق اقتصادية تستحق التفكير والعمل: أن يعود الربط السككي بين لبنان وسوريا، ومنها إلى تركيا والدول العربية المجاورة، فيحمل منتجاتنا إلى أسواق أوسع، وينشّط المرافئ والزراعة والصناعة والسياحة، ويخلق فرص عمل لشبابنا. يستطيع لبنان أن يطمح إلى استعادة دوره كمساحة للتبادل والتواصل، مستفيدًا من موقعه على البحر المتوسط وصلاته بالداخل العربي.

وفي قلب هذه الرؤية، يبرز مشروع الربط بين بيروت والبقاع عبر مسار ينطلق من قناطر زبيدة في منطقة الحازمية، ويتصل بنفق باتجاه البقاع. وقد طُرحت له تصوّرات ودراسات على مدى سنوات، باعتباره طريقًا لتسهيل التنقّل وتنشيط التجارة بين مرفأ بيروت والداخل اللبناني والعربي. يمكن لهذا المشروع، إذا استُكملت جدواه ونُفّذ، أن يصبح أحد مفاتيح النهوض الاقتصادي، ونأمل أن يبصر النور قريبًا. وتتسع هذه الرؤية لتشمل إمكان تخصيص ممرات منفصلة وآمنة لخدمات الطاقة ضمن المشروع أو بمحاذاته، بما فيها أنابيب الغاز، وفق المتطلبات الهندسية والبيئية ومعايير السلامة. هكذا يمكن أن تتكامل طرق النقل والطاقة في رؤية تربط المناطق، وتفتح الأسواق، وتقرّب لبنان من مستقبل أكثر ازدهارًا.

وبالتوازي مع السكك، يمكن تطوير التعاون الإقليمي في خطوط الغاز والربط الكهربائي، ضمن خطة متكاملة تساعد لبنان على الوصول إلى كهرباء متوافرة 24 ساعة على 24، مع تأهيل المعامل والشبكات، وتأمين الوقود وحسن الإدارة، والتوسع في الطاقة المتجددة. وقد بحثت الجهات الرسمية في لبنان وسوريا والأردن إعادة تأهيل خطوط الغاز والكهرباء وتشغيلها، ما يوفّر أساسًا يمكن البناء عليه لهذا التعاون.

وإذا أثبتت أعمال الاستكشاف مستقبلًا وجود نفط أو غاز لبناني بكميات تجارية، يمكن أن نتطلع أيضًا إلى إنتاجه وتلبية حاجات البلد وتصدير الفائض، عبر المرافئ أو خطوط مؤهلة ومتفق عليها. ويتطلب ذلك اكتشافًا تجاريًا وتطويرًا للإنتاج والبنية التحتية، فيما يحتاج استخدام خطوط قائمة للتصدير إلى دراسة قدرتها الفنية واتجاه تشغيلها والاتفاقات اللازمة.

ما أجمل هذا التفاؤل حين يجد طريقه إلى العمل: قطار يصل الناس، وتجارة تفتح الأبواب، وطاقة تعيد الضوء إلى البيوت، ووطن يستعيد ثقته بقدرته على النهوض. هكذا يصبح التعاون مع الجوار فرصة لمصالح مشتركة تعود بالنفع على الناس وتدعم الاستقرار والسلام.

للفرح مكان في إعادة بناء الوطن

من موقعي كباحثة وكاتبة تعمل من أجل العافية وثقافة السلام، أرى أن المجتمع يحتاج إلى ما يعيد إليه الإحساس بالقدرة والانتماء. حين يكتشف طفل بلدته من نافذة قطار، أو يستعيد كبير في السن ذكرى رحلة قديمة، أو يرى شاب ثمرة عمل لبناني أمامه، يجد الناس سببًا صغيرًا ليشعروا أن الغد يمكن أن يحمل شيئًا جميلًا.

في بلد أنهكته الحروب، تستحق كل يد تبني أن تجد الدعم، وكل فكرة نافعة أن تجد من يسمعها. احترام هذه المبادرات يشمل تشجيعها ومساعدتها على التحسن، حتى يستمر أثرها بعد فرحة الافتتاح.

كل الدعم لمن فكّر وصمّم وصنع، ولمن حفظ ذاكرة السكة، ولمن أزال عائقًا أو فتح باب تعاون. الناس التي انتظرت طويلًا ما يفرح قلبها تستحق هذه اللحظة، وتستحق أن ترى مزيدًا من الأفكار تتحول إلى حياة.

قد يكون المسار ثلاثة كيلومترات ونصف فقط، لكن أثره يبدأ حين يشعر الإنسان أن شيئًا في بلده عاد يتحرك، وأن العمل ما زال قادرًا على أن يحملنا خطوة نحو الغد.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك