بقلم غسان صليبي
ليس في العنوان ما هو لعب على الكلام، فالمسألتان المطروحتان لا تحتملان اللعب. الربط بين التسليمَين في العنوان هو للفت الانتباه بشكل صارخ، للترابط في العقيدة الدينية لحزب الله بين مكوّناتها الاجتماعية والسياسية، وعدم إمكانية فصل تسليم السلاح عن غيره من المكوّنات. وإن كان تسليم السلاح من عدمه فيه حياة او موت بالنسبة لحزب الله، فإن التسليم على امرأة من عدمه فيه ما يشبه الحياة او الموت، إذ انه مع غيره من القواعد الدينية، خيار بين نموذجين متناقضين من الحياة، واحد يمارسه “اشرف” الناس وآخر يمارسه “مدنَّسون”.
كاتب هذا النص يسلّم بخطورة التسليمَين بالنسبة لحزب الله، ومصدر الخطورة، في الأساس، أن الإثنين محرّمان دينياً بحسب عقيدة الحزب.
فمعروف من جهة ان الحزب يحرّم دينياً تسليم رجل على امرأة، ومن جهة ثانية يؤكد الحزب يوماً بعد يوم أن حمله للسلاح حق إلهي ولا علاقة له بالحقوق التي ينص عليها الدستور او القانون او أي اتفاق بين البشر، اذ أن سلاحه المطلوب تسليمه ليس الّا “سلاح الله”، كما تردد على لسان قياداته ومؤيديه في الآونة الأخيرة.
تسليم السلاح اذاً هو خطيئة تماماً كما ان التسليم على المرأة خطيئة. ليس صدفةً ان هذه اليد التي تسلّم هي يد رجل في الحالتين، وتسليم السلاح كما التسليم على امرأة هو علامة ضعف عند الرجل في الحالتين أيضاً. ولا بد ان تجد الحركة النسائية في ذلك تجليات لعوارض متشابهة في دلالاتها في المجتمع الذكوري.
بالتوازي، ان التسليم على امرأة هو شأن اجتماعي فيما تسليم السلاح هو شأن سياسي، ولا فرق عند حزب ديني بين الاجتماعي والسياسي، فمن مهمة الدين عند حزب الله تنظيم الشأنين معاً في دولة دينية.
ذلك ان فصل الحزب عن سلاحه هو بمثابة فصل الدين عن الدولة، وهذا بالتحديد ما هو مرفوض بالمطلق. هكذا كانت الحال في الدويلة التي كان يحكمها حزب الله، وهكذا يجب أن تبقى في الدولة اذا تقرر الاستغناء عن الدويلة.
التسليمان يبدوان لي مترابطين وقد يحتاج تسليم السلاح الى جدول زمني يوازي في تعقيداته وفي مدته، جدولاً زمنياً يُقنع رجال حزب الله بالتسليم على امرأة.
ذلك ان حوار الحكومة مع حزب الله حول تسليم سلاحه، ليس حواراً بين دولة وحزب سياسي ينتمي إليها، بل بين دولة وحزب ديني يحكم دويلة. وليست المعضلة في كيفية إقناع حزب الله بالاندماج في الدولة، بل في كيفية اندماج الدويلة الدينية في الدولة الدستورية، دون تفكيك العناصر المترابطة للدويلة الدينية، بما فيها المصالح الاقتصادية- الاجتماعية التي نسجها الحزب لأكثر من أربعين عاماً، على أسس مذهبية – دينية أيضاً.
هذا ليس حواراً بين طرفين في إطار دولة مركزية، بل هو أقرب الى الحوار مع دويلة يُراد لها الانتقال من حالة تقسيمية أسست لها ورسّختها، الى حالة أخرى لا يمكن للدويلة ان تقبل بأن تكون أقل ما يشبه الحكم الذاتي في صيغة لامركزية. وعين الدويلة في ما يخص سلاحها هو على تدبير يشبه نموذج “الحشد الشعبي” في العراق، أي المحافظة على استقلالية سلاحها الى جانب سلاح الجيش اللبناني وكجزء رسمي منه.
في النزاعات الجماعية في دولة واحدة ديمقراطية، يتم اللجوء الى الحوار في مرحلة أولى ومن ثم يجري الاحتكام الى الديمقراطية، أي الى حسم الخلاف من خلال التصويت بالأكثرية. حزب الله، بحسب عقيدته، لا يعترف بالديمقراطية بل بنقيضها، أي بحق فرد واحد، وهو ولي الفقيه، ان يقرر عن الجميع. لذلك لا يلتزم حزب الله، لا بقرارات حكومية ولا بقرارات برلمانية، وهو يلجأ على الدوام الى استبدال الديمقراطية بالدعوة الى الحوار الوطني أمام كل استحقاق، بدل الخضوع للآليات الدستورية في اتخاذ القرارات. فهو يعلم أن الحوار، اذا لم يوضع في سياق آلية ديمقراطية، من الصعب ان يؤدي إلى اتفاق خاصة في القضايا الخلافية الجذرية.
وحتى يؤدي الى اتفاق، يفترض الحوار أيضاً، ان الطرفين ينطلقان من مبادئ وقواعد مشتركة، يحددها عادة الدستور او القانون الذي يجري الحوار في إطاره، في حين ان مبادئ وقواعد حزب الله يستقيها من عقيدة ولاية الفقيه الإيراني، المناقضة لمبادئ وقواعد الدستور اللبناني وقوانينه.
وما يزيد في الطين بلة، ان حزب الله لا يعترف بالمنطق السببي، الذي يساعد المتحاورين على الوصول الى فهم مشترك للمشكلات ولكيفية حلّها.
فإذا قلت لحزب الله، مثلاً، أن حرب الاسناد تسببت بحرب إسرائيل على لبنان، يأتيك الجواب، ان إسرائيل كانت ستضرب بجميع الأحوال. في منطقه لا سبب ولا نتيجة بل نتيجة مهما كان السبب. وعندما تعود وتقول له مثلاً ان حرب الاسناد أعطت الحجة لإسرائيل لتستخدم اقصى درجات العنف ضد لبنان لأنه جرى تهجير سكانها في الشمال، يأتيك الجواب ان إسرائيل لا تحتاج الى حجج لتمارس أشرس الهجمات. في منطقه ان ما حصل كان سيحصل في جميع الحالات ولا علاقة بين فعل ورد فعل.
آخر هلوسات المنطق هو ما قاله نعيم قاسم أخيراً مخاطباً الحكومة:” اخرجوا العدو من أرضنا واوقفوا العدوان وحرروا الأسرى وابدأوا الاعمار وبعدها تعالوا الى الاستراتيجية الدفاعية”. أوَ ليست الاستراتيجية الدفاعية هي في الأساس لتحقيق كل ذلك؟ هنا أيضاً لا اعتراف بالمنطق السببي: فالوسيلة تصبح هدفاً والهدف يتحوّل الى وسيلة.
اما الربط في الحوار بين ضرورة المحافظة على سلاح حزب الله ومقاومة إسرائيل، ففضلاً عن عجز هذا الحزب عن لعب دور المقاومة بعد انكساره العسكري، والدلالات اليومية لذلك هي في استمرار الاعتداءات الإسرائيلية دون أي رد من حزب الله، لا اعرف كيف يمكن الاستمرار بالادعاء بصحة هذا الربط، بعد اعتبار سلاح حزب الله سلاح الله، ما يؤدي تلقائياً الى فك ارتباطه بمقاومة إسرائيل، ذلك انه يصبح سابقا لها ولاحتلالها وباقٍ الى ما بعد زوالها، إن شاء الله.
البعض يسمّي ذلك فكرا دينياً-غيبيا او غير علمي، لا يعترف بالوقائع ولا يستخدم المنطق العلمي في الاستنتاجات. ويميل البعض الآخر الى اعتباره من تجليات عصر “ما بعد الحقيقة”، التي يبرع فيها ترامب، والقائمة على تشويه الحقائق باستمرار.
عندما تكون الديمقراطية مرفوضة والحوار مستحيل، يصبح توقع الصدام العسكري امراً شديد الاحتمال…. الا اذا صدّقنا توم برّاك في نفيه لهذا الاحتمال، وتعويله على “إقناع” حزب الله بتسليم سلاحه، ربما بوسائل لا تستدعي استخدام الحوار والمنطق، بل المصلحة المادية والسياسية. وقد لمّح الى بعض هذه الوسائل من خلال الإفصاح عن الاستعداد للتعويض المالي على عناصر الحزب الذين يتخلّون عن السلاح. ويمكننا توقُّع أيضاً استخدام وسائل سياسية بعد أن تعمّد ذكر ان نسبة الشيعة من بين اللبنانيين هي ٤٠ بالمئة، وما يرافق ذلك من كلام، أكده بنفسه، عن حوار مع إيران وربما عن دور لها، في الحلول المطروحة.