زيارة البابا إلى لبنان… بين الخوف والرجاء…

لحظة "يكون أو لا يكون"

في لحظةٍ يتخبّط فيها لبنان بين الاحتضار والمقاومة، وبين التفكّك والبقاء، وفي زمنٍ صار فيه الوطن معجونًا بالدم والقلق والانتظار، تأتي زيارة البابا لتكسر هذا الركود القاتل، وتفتح بوابة من الأسئلة التي لا تنتهي…

أسئلةٌ ليست من النوع الذي نجد له أجوبة جاهزة، بل من النوع الذي يُعاد طرحه في كل منعطف مصيري: ماذا يعني أن يزور رأس الكنيسة الكاثوليكية بلدًا يقف اليوم على حدّ الهاوية؟ ولماذا الآن؟

هذه ليست زيارة عادية، وليست حدثًا بروتوكوليًا يمكن إدراجه ضمن دفاتر الزيارات الرسمية.

هذه لحظة تُشبه المشاهد الافتتاحية في الأفلام الكبرى: لحظة صمت ثقيل قبل الانفجار، أو ضوء خافت يسبق الفجر.

لبنان، هذا الكائن الجريح الذي يترنّح منذ سنوات طويلة بين الحياة والموت، يعيش اليوم أخطر اختبار وجودي منذ نشأته الحديثة.

كل شيء في لبنان لم يعد كما كان، لا الدولة دولة، ولا المؤسسات مؤسسات، ولا السيادة سيادة، ولا المجتمع مجتمعًا واحدًا؛ فكل شيء مُشتّت، مُهدّد، ومعلّق بخيط رفيع.

في ظل هذا المشهد، تأتي الزيارة البابوية لتلامس جوهر الأزمة، لا سطحها، ولتثير تساؤلاتٍ تتجاوز الشكل والبروتوكول، لتصل إلى عمق هذا الكيان: هل نحن أمام محاولة إنقاذ… أم أمام إنذار أخير؟ هل أتى البابا ليحمي المسيحيين من “الغضب الأكبر”؟ أم ليحمي لبنان نفسه من انهيار ميثاقه، وهويته، ورسالته؟

هذه الأسئلة لا تكفيها الإجابات السريعة. ولنكن صادقين: لا أحد يمتلك يقينًا الآن.

لكن ما نعرفه هو أن لبنان “على خلاف كل دول المنطقة” ليس مجرد جغرافيا. هو فكرة.

والسقوط هنا لا يشبه سقوط دولة أخرى، بل يشبه سقوط نموذج كامل، سقوط حضارة صغيرة، وسقوط تجربة استثنائية في الشرق.

لبنان ليس مجموعة طوائف… بل معادلة دقيقة تشبه المعجزة

لا يمكن لمن يقرأ لبنان بسطحية أن يفهم ما الذي يجعل هذا الوطن قادرًا على الصمود رغم كل الضربات. لبنان ليست طوائف منفصلة متعايشة بالقوة. لبنان هي معادلة دقيقة، وخلطة روحية وثقافية وسياسية لم تتكرر في المنطقة كلها.

نحن “المسلمين والمسيحيين معًا” نكوّن تلك الهوية المركّبة التي لا يمكن تفكيكها من دون أن ينهار لبنان كلّه. تناغمٌ صعب، لكنه حقيقي. تناقضٌ جميل، لكنه مُلهِم.

وخليطٌ من حداثةٍ وانفتاحٍ وتراثٍ وقداسة… هو ما جعل من لبنان مساحةً فريدة بين عالمين يكادان لا يلتقيان.

هذه الحقيقة يعرفها العالم جيدًا، ويعرف معها أنّ خسارة لبنان ليست خسارة دولة صغيرة على الخريطة، بل خسارة فكرة coexistence، خسارة نموذج يُثبت أنّ الشرق قادر على احتضان التنوّع لا قتله، وأنّ الاختلاف قد يكون ثراءً لا لعنة.

لهذا حين يزور البابا بلدًا، فهو لا يزور فقط مؤمنين مسيحيين، بل يزور رمزًا روحيًا ودينيًا وإنسانيًا.

ورمز لبنان اليوم مهتزّ، خائف، وواقف على حدّ السكين.

الزيارة: بين خوف القلب ورجاء العقل

إنشداد العالم نحو هذه الزيارة طبيعي… لكن انشداد قلبي نحو الاحتمالات الثقيلة هو ما ينغّص هذه اللحظة.

لا أخفي خوفي. أخاف أن تكون الزيارة علامة نهاية كما كانت زيارات تاريخية كثيرة تأتي قبل السقوط.

أخاف أن تكون محاولة لالتقاط صورة قبل الانهيار الكبير… أو لأرشفة مرحلة ستُطوى بعد قليل.

التاريخ مليء بالأمثلة: زيارات كنسية ورسمية جاءت قبل حروب، قبل تقسيمات، قبل اضطرابات طائفية، أو قبل تغييرات جذرية في هوية الدول.

هل يُعقل أن يكون لبنان اليوم على أبواب تغييرٍ كبير؟ هل أتى البابا ليقول لنا شيئًا لا نريد سماعه؟ أم ليُطمئننا بطريقة لم تعد الطمأنة قادرة على شفاء القلق المزمن في أرواحنا؟ لكن… في المقابل، هناك شيء آخر لا يمكن تجاهله: الزيارات البابوية ليست يومًا حيادية.

هي رسائل سياسية مقنّعة بالسلام. وليس سرًا أنّ دولة الفاتيكان تمتلك شبكة تأثير عالمي هائلة، وأجهزة دبلوماسية لا تقل نفوذًا عن الدول الكبرى.

قد يكون وجود البابا هنا رسالة مضادّة لكل سيناريو السقوط: رسالة تقول إنّ لبنان “بكل فساده وفوضاه وانكساراته” ما زال مشروعًا عالميًا يجب أن يبقى.

إنّ هناك إرادة دولية تتدخّل لترفع يدها فوق هذا الكيان، وكأنها تقول: “لن نسقط هذه التجربة. لبنان، رغم كل شيء، يجب أن يستمر.”

هل هذه زيارة إنقاذ… أم إعلان بداية جديدة؟ السؤال يبقى معلّقًا، بين خوف ورجاء.

هل هي زيارة إنقاذ تحاول إعادة الروح إلى وطنٍ يتنفس بصعوبة؟
أم هي إعلان مرحلة جديدة، مرحلة لا تشبه ما قبلها، عنوانها إعادة رسم دور لبنان وموقعه وهويته؟ لا أحد يعرف. لكن الذي نعرفه هو أنّ لبنان يعيش اليوم لحظة “يكون أو لا يكون”.

لحظة وجودية، وطنية، روحية، وسياسية في آن واحد.

ومجيء البابا في هذا التوقيت أشبه بجرس دقّته السماء كي تستيقظ الأرض.

الزيارة أعادت تحريك السؤال الأساسي: هل العالم ما زال متمسّكًا بلبنان؟
هل ما زالت فكرة لبنان الرسالة تستحق أن تُحمى؟ وهل نحن “نحن اللبنانيين واللبنانيات” ما زلنا قادرين على حمل هذه الرسالة… أم تعبنا؟

الشعب اللبناني… تلك المعجزة التي لا تريد أن تموت

رغم كل شيء، رغم شلال الخيبات، ورغم النزيف المستمر، يعرف قلبي حقيقة واحدة: الشعوب التي تشبه اللبنانيين لا تموت بسهولة. لأنها، ببساطة، ليست شعوبًا عادية.

هي شعوب صنعت من الألم صلابة، ومن الوجع حكمة، ومن الخسارة معنى.
شعوب تقف كل مرة بعد السقوط، كأنها تُعيد اكتشاف قوتها في لحظة الانكسار.

شعوب تتنفّس الإيمان، والصبر، والإصرار، والعناد الجميل الذي يحفظ الهوية من التحطيم. لبنان يختنق… يتعب… يُركع… لكن لا يموت.

وإذا كان التاريخ قد أثبت شيئًا، فهو أنّ هذا الوطن ينهار فقط ليعود ويقف مجددًا، كأنه خُلِق ليُجرَّب، لا ليُدفن.

لحظة الضوء في النفق الطويل

وربما، رغم كل ما نحمله من قهر وخوف وقلق وجودي، تأتي هذه الزيارة كبصيص ضوء عنيد في نفق لم نعد نرى نهايته. وربما تكون هذه اللحظة ليست إعلان خطر، ولا مقدّمة سقوط، بل إعلان فرصة… فرصة بأن العالم لم يستسلم بعد أمام فكرة سقوط لبنان، وأنّ هناك من ما زال يؤمن بأنّ هذا البلد الصغير، بجغرافيته وبمعاناته، يستحق أن يُنقَذ.

لبنان ليس مجرد وطن… هو رسالة. رسالة هشة… لكنها مستعصية على الموت.

جولة جديدة من التاريخ… فهل تكون الأخيرة من مسلسل الخيبات؟

نحن اليوم نقف أمام منعطف خطير، لا يشبه أي محطة سابقة. قد نكون فعلاً أمام جولة جديدة من تاريخ الوطن، جولة ربما تكون الفرصة الأخيرة قبل الغرق أو الخلاص.

جولة نرجو أن تكون الختام لمسلسل الخيبات والدمار والتحديات

الذي دهس هذا البلد وجرّحه حتى العظم. جولة لعلّها تُعيد لبنان إلى الحياة… مستنفِرًا، شامخًا، وقادرًا على النهوض من رماده كما يفعل طائر الفينيق في الأساطير التي وُلِدنا منها.

صباحكم أملٌ مُبشّر بربّ كريم… وبوطنٍ، رغم جراحه، ما زال قادرًا على أن ينهض.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com